تقاريرهام

“البحار الأربعة”.. مشروع استراتيجي يعيد تموضع سوريا وتركيا على خريطة الطاقة العالمية (تقرير)

في تطور لافت يعكس تحولات إقليمية متسارعة، أعلن وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، من العاصمة التركية أنقرة، إطلاق مشروع “البحار الأربعة” بالتعاون مع نظيره التركي هاكان فيدان، في خطوة تهدف إلى تحويل سوريا وتركيا إلى مركز محوري لإعادة توزيع الطاقة عالميًا، وربط أربعة بحار استراتيجية ضمن شبكة متكاملة من الممرات الاقتصادية.

ويأتي الإعلان في سياق تقارب سياسي واقتصادي متزايد بين دمشق وأنقرة، وسط سعي مشترك لإعادة صياغة الدور الإقليمي للبلدين، والاستفادة من موقعهما الجغرافي في ظل التغيرات التي تشهدها طرق التجارة والطاقة حول العالم.

رؤية المشروع.. ربط الجغرافيا بالطاقة

يقوم مشروع “البحار الأربعة” على فكرة ربط الخليج العربي وبحر قزوين والبحر المتوسط والبحر الأسود، عبر بنية تحتية تشمل خطوط أنابيب لنقل النفط والغاز، وممرات لوجستية، وموانئ حديثة، بما يتيح إنشاء شبكة متكاملة لتدفقات الطاقة والتجارة.

وبحسب التصريحات الرسمية، فإن الهدف الأساسي يتمثل في خلق بديل للممرات التقليدية التي تعاني من اضطرابات جيوسياسية، مثل مضيق هرمز والبحر الأحمر، وهو ما يمنح المشروع أهمية مضاعفة في ظل التوترات الإقليمية الراهنة.

ويعيد هذا الطرح إلى الأذهان مبادرة قديمة أطلقها الرئيس التركي الأسبق عبد الله غول عام 2009، خلال زيارة إلى دمشق، دعا فيها إلى ربط البحار الأربعة المحيطة بسوريا وتركيا وإيران والعراق، وتحويل المنطقة إلى مركز تجاري عالمي، غير أن الظروف السياسية حينها حالت دون تنفيذها.

أبعاد استراتيجية تتجاوز النقل والطاقة

لا يقتصر المشروع على كونه ممرًا لنقل الطاقة، بل يحمل أبعادًا استراتيجية أوسع تتعلق بإعادة رسم خريطة التجارة العالمية، وتعزيز أمن الإمدادات، وتقليل الاعتماد على الممرات البحرية المهددة.

وفي هذا السياق، يرى المستشار السياسي والمختص في العلاقات الدولية الدكتور أنس البو، أن المشروع يمثل تحولًا نوعيًا في موقع سوريا الجيوسياسي، إذ يقول “يعد مشروع البحار الأربعة فرصة استراتيجية لإعادة تموضع سوريا في قلب الجغرافيا الاقتصادية العالمية في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها طرق التجارة والطاقة عالميًا”.

ويضيف في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن “المشروع يتجاوز كونه مبادرة تعاون ثنائي بين سوريا وتركيا، ليشكّل تصورًا متكاملًا لإعادة رسم خريطة تدفقات الطاقة والتجارة في المنطقة، مستفيدًا من الموقع الجغرافي الفريد للبلدين كحلقة وصل بين أربعة بحار”.

وبحسب البو، فإن “أهمية المشروع تكمن في إعادة تعريف الدور السوري، حيث يخرج من كونه مجرد ممر عبور محدود التأثير، إلى مركز إقليمي محوري في سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ظل التحديات التي تواجه الممرات التقليدية”.

فرص اقتصادية وإعادة إعمار

يفتح المشروع، وفق خبراء، آفاقًا واسعة أمام الاقتصاد السوري، خصوصًا في مرحلة إعادة الإعمار، حيث يمكن أن يسهم في تطوير البنية التحتية، وإنشاء مناطق صناعية ولوجستية، وجذب الاستثمارات الأجنبية.

وفي هذا الإطار، يشير الدكتور أنس البو إلى أن المشروع “يفتح آفاقًا واسعة لتطوير البنية التحتية في مجالات النقل والطاقة، وإنشاء مناطق لوجستية وصناعية متخصصة، إضافة إلى جذب الاستثمارات الإقليمية والدولية وخلق فرص عمل جديدة”.

كما يرى أن المشروع يمكن أن يتحول إلى أداة فاعلة لدعم النمو المستدام، بدلًا من اقتصار دور سوريا على كونها ممرًا جغرافيًا فقط، وهو ما يعزز من فرص التعافي الاقتصادي بعد سنوات من الحرب، حسب تعبيره.

في المقابل، تلعب تركيا دورًا محوريًا في هذا المشروع، نظرًا لموقعها كبوابة إلى أوروبا، وامتلاكها بنية تحتية متقدمة نسبيًا في قطاع الطاقة، ما يجعل الشراكة السورية التركية نموذجًا للتكامل الإقليمي الذي قد ينعكس إيجابًا على أمن الطاقة الأوروبي.

زخم دولي وظروف مواتية

يتزامن طرح مشروع “البحار الأربعة” مع متغيرات دولية تمنحه زخمًا إضافيًا، أبرزها سعي الدول الأوروبية لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على روسيا، إلى جانب المخاطر المتزايدة في الممرات البحرية التقليدية.

كما أن التصعيد في مناطق مثل الخليج والبحر الأحمر، يعزز الحاجة إلى ممرات بديلة أكثر استقرارًا، وهو ما قد يجعل المشروع جزءًا من الحلول المطروحة على المستوى الدولي.

وكان المبعوث الأمريكي إلى سوريا توم باراك قد أشار إلى هذا البعد، معتبرًا أن سوريا تمتلك “القدرة الروحية والجغرافية والجيوسياسية” لتكون جزءًا من حل معضلات الطاقة في المنطقة.

تحديات معقدة تعيق التنفيذ

ورغم هذه الفرص، يواجه المشروع تحديات كبيرة، تتراوح بين السياسية والأمنية والاقتصادية، فضلًا عن تعقيدات البنية التحتية.

وتشير المحللة السياسية عايدة بنت عمر إلى أن المشروع يطرح تساؤلات عميقة، قائلة في حديثها لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “الجغرافيا التي تضم البحار الأربعة لا تزال خاضعة لاتفاقيات سايكس بيكو، ما يجعل كل المواقف السياسية محكومة بإرث تلك المرحلة، وهو ما يعقد تنفيذ المشروع في الوقت الراهن”.

وتضيف “المشروع واعد مستقبلًا لكنه شديد التعقيد على مستوى الاتفاقيات الحاكمة، وقد يكون أقرب إلى مشروع لما بعد سايكس بيكو وليس في الظروف الحالية”.

كما تلفت إلى أن البنية التحتية الطاقوية في المنطقة، بما فيها تركيا، غير قادرة حاليًا على استيعاب متطلبات المشروع، موضحة أن تطويرها قد يحتاج إلى فترة تتراوح بين 20 و30 عامًا في أفضل الأحوال، وفق كلامها.

صراع النفوذ في أسواق الطاقة

تتداخل في المشروع حسابات القوى الكبرى، حيث تشير بنت عمر إلى أن روسيا وإيران تمثلان مصدرين رئيسيين للطاقة، بينما تعد أوروبا المستهلك الأهم، في حين تسعى تركيا إلى لعب دور الوسيط دون امتلاك كامل أدوات التحكم.

وتقول “روسيا تريد استعادة حصتها في سوريا، وأوروبا لا ترغب في منح تركيا القدرة على التحكم بشريان طاقتها، في ظل تنافس تاريخي وحضاري معقد”.

كما تشير إلى أن إضافة سوريا إلى هذا المحور قد يعزز من قوة تركيا التفاوضية، لكنه في الوقت ذاته يضع أعباءً إضافية على أنقرة، خاصة في ظل ضعف البنية التحتية داخل سوريا.

بين الطموح والواقع

في ضوء هذه المعطيات، يبدو مشروع “البحار الأربعة” كأحد أكثر المشاريع طموحًا في المنطقة، لكنه في الوقت ذاته يواجه واقعًا معقدًا يتطلب توافقات سياسية إقليمية ودولية، واستثمارات ضخمة، واستقرارًا طويل الأمد.

ومع ذلك، فإن مجرد إعادة طرح المشروع يعكس تحولًا في التفكير الاستراتيجي لدول المنطقة، وسعيًا للخروج من دوائر الصراع إلى آفاق التعاون الاقتصادي.

وفي المحصلة، قد لا يكون المشروع قابلًا للتنفيذ في المدى القريب، لكنه يمثل رؤية بعيدة المدى لإعادة تشكيل خريطة الطاقة والتجارة، مع إمكانية أن يشكل، في حال توافر الظروف المناسبة، نقطة تحول تاريخية تعيد لسوريا دورها كمحور رئيسي في الاقتصاد العالمي، وتمنح تركيا موقعًا أكثر تأثيرًا في معادلات الطاقة الدولية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى