تقاريرهام

تركيا قوة عسكرية صاعدة ليس داخل حدودها فقط (تقرير)

تواصل تركيا ترسيخ موقعها كقوة عسكرية فاعلة، ليس فقط ضمن حدودها الجغرافية، بل عبر حضور متنامٍ خارجياً يمتد من أفريقيا إلى الشرق الأوسط، في خطوة تعكس تحولاً استراتيجياً في دورها الإقليمي والدولي.

ويؤكد محللون أن هذا الانتشار العسكري المتوازن، المدعوم بصناعات دفاعية متطورة، بات عنصراً مؤثراً في إعادة تشكيل موازين القوى، خصوصاً في المناطق التي تشهد تنافساً دولياً متصاعداً.

ويرى مراقبون أن أنقرة نجحت خلال السنوات الأخيرة في الجمع بين القوة الصلبة، المتمثلة في قدراتها العسكرية وانتشارها الميداني، والقوة الناعمة عبر أدوات دبلوماسية وتنموية، ما منحها موقعاً متقدماً في إدارة الأزمات الإقليمية والتفاعل مع التحولات الدولية.

أفريقيا ساحة نفوذ جديدة لتركيا

في هذا السياق، قال المحلل السياسي مالك العبيد، في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “التواجد التركي شهد توسعاً ملحوظاً في القارة الأفريقية، خاصة في منطقة القرن الأفريقي، بالتزامن مع تراجع الدور الفرنسي التقليدي هناك”.

وأوضح أن هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن التطور العسكري التركي، الذي عزز من حضور أنقرة كلاعب دولي قادر على التأثير في معادلات الأمن الإقليمي، وفق تعبيره.

وأشار العبيد إلى أن “تركيا تُعدّ ثاني أكبر قوة عسكرية ضمن حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إضافة إلى أنها تحتل المرتبة الخامسة عشرة عالمياً من حيث القوة العسكرية، ما يمنحها ثقلاً استراتيجياً في علاقاتها الدولية”.

وأضاف أن “أنقرة تقدم نفسها كشريك غير استعماري للدول الأفريقية، وهو ما ساهم في تعزيز قبولها في تلك الدول مقارنة بالقوى التقليدية”.

وأكد أن “الطائرات المسيرة التركية، وعلى رأسها (بيرقدار)، لعبت دوراً محورياً في ترسيخ هذا الحضور التركي، إذ أصبحت تركيا مورداً رئيسياً لهذه التكنولوجيا العسكرية التي أثبتت فعاليتها في عدة ساحات نزاع”.

ولفت إلى أن هذا التوسع العسكري يترافق مع شبكة من الاتفاقيات الدفاعية والأمنية التي أبرمتها أنقرة مع عدد من الدول الأفريقية، من بينها الصومال وليبيا وكينيا ورواندا وإثيوبيا ونيجيريا وغانا، بحسب كلامه.

وأوضح العبيد أن “هذه الاتفاقيات عززت الوجود التركي في القارة، وخصوصاً في القرن الأفريقي، وأسهمت في تحقيق نوع من التوازن مع القوى الاستعمارية السابقة، وفي مقدمتها فرنسا”.

كما أشار إلى أن “أفريقيا تمثل فرصة استراتيجية لتركيا، نظراً لما تمتلكه من موارد طبيعية ضخمة تُقدّر بنحو 65% من الموارد العالمية، ما يفتح آفاقاً واسعة للاستثمار والتعاون الاقتصادي”.

الصناعات الدفاعية ركيزة الاستقلال العسكري

من جهته، اعتبر الباحث السياسي رشيد حوراني، أن التحول في الدور العسكري التركي يرتبط بشكل وثيق بصعود حزب “العدالة والتنمية” إلى السلطة، حيث شهدت البلاد “نهضة شاملة” طالت مختلف القطاعات، وعلى رأسها القطاع العسكري.

وأوضح حوراني في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن “أنقرة أولت اهتماماً خاصاً بتطوير صناعاتها الدفاعية، إدراكاً منها بأن الاستقلال العسكري لا يمكن تحقيقه دون قاعدة صناعية وطنية متينة”.

وأشار إلى أن “الحكومة التركية عملت على بناء بنية تحتية متقدمة للصناعات العسكرية، إلى جانب تأهيل كوادر بشرية قادرة على الابتكار والتطوير، ما أسهم في تقليل الاعتماد على الخارج وتعزيز القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة”.

وأضاف أن “هذا التوجه لم يقتصر على الجانب التقني، بل ترافق مع سياسة خارجية نشطة اعتمدت على مزيج من القوة الصلبة والناعمة، الأمر الذي ساعد تركيا على كسب ثقة المجتمع الدولي، خاصة باعتبارها عضواً في حلف الناتو، مع تبنيها سياسة متوازنة في التعامل مع القضايا الإقليمية”.

بين الشراكة والمنافسة في الساحة الدولية

ولفت حوراني إلى أن “هذا التوازن مكّن تركيا من فرض نفسها أحياناً كشريك في إدارة الأزمات، وأحياناً أخرى كمنافس للقوى الكبرى، ما أتاح لها توسيع نطاق انتشارها العسكري في مناطق النزاع”.

وذكر أن “تركيا شاركت في مهام متعددة، من بينها نشر قوات مراقبة، والتدخل في بعض الساحات وفق قواعد اشتباك مدروسة، مستفيدة من خبرات الجيوش الغربية مع تطوير نماذج خاصة بها”.

وأوضح أن “الجيش التركي بات يعتمد على أساليب حديثة في إدارة العمليات، تجمع بين التكنولوجيا المتقدمة والخبرة الميدانية، وهو ما انعكس في أدائه في عدة مناطق، سواء في الشرق الأوسط أو أفريقيا”.

توازنات جديدة في النظام الدولي

ويرى محللون أن الحضور العسكري التركي المتنامي يعكس تحولات أعمق في النظام الدولي، حيث تسعى قوى إقليمية صاعدة إلى لعب أدوار أكبر في إدارة الملفات الأمنية والسياسية، في ظل تراجع أو إعادة تموضع بعض القوى التقليدية.

وفي هذا الإطار، يشير مراقبون إلى أن تركيا تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين مصالحها الاقتصادية والأمنية، من خلال توسيع شراكاتها الدولية، وتعزيز حضورها في مناطق استراتيجية، دون الانخراط في سياسات الهيمنة التقليدية.

كما يؤكدون أن هذا النهج يمنح أنقرة مرونة في التعامل مع التحديات، ويتيح لها الاستفادة من الفرص المتاحة في بيئات معقدة، مثل أفريقيا والشرق الأوسط، حيث تتداخل المصالح الدولية والإقليمية.

دور متصاعد وتحديات مستمرة

ورغم هذا الصعود، يلفت خبراء إلى أن الدور العسكري التركي يواجه تحديات متعددة، من بينها تعقيدات المشهد الجيوسياسي، وتنافس القوى الكبرى، إضافة إلى الأعباء الاقتصادية المرتبطة بالانتشار العسكري الخارجي.

ومع ذلك، يرى هؤلاء أن أنقرة تمتلك مقومات الاستمرار في هذا الدور، بفضل ما حققته من تطور في صناعاتها الدفاعية، وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الدولية، إلى جانب شبكة علاقاتها المتنامية في مختلف المناطق.

في المحصلة، يبدو أن تركيا ماضية في ترسيخ موقعها كقوة عسكرية مؤثرة، قادرة على إعادة رسم ملامح التوازنات الإقليمية والدولية، مستندة إلى مزيج من القوة العسكرية، والمرونة السياسية، والشراكات الاستراتيجية التي تعزز حضورها في عالم يشهد تحولات متسارعة.

 

زر الذهاب إلى الأعلى