
في تحرك دبلوماسي واسع يعكس ثقل أنقرة الإقليمي، قادت تركيا، إلى جانب تسع دول عربية وإسلامية، موقفاً موحداً يرفض تعيين الاحتلال الإسرائيلي سفيراً لدى ما يُعرف بإقليم “أرض الصومال”، في خطوة وُصفت بأنها انتهاك صريح لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية وتهديد مباشر لاستقرار منطقة القرن الإفريقي.
البيان المشترك، الذي صدر عن وزراء خارجية كل من تركيا ومصر والصومال والسودان وليبيا وبنغلاديش والجزائر والسعودية وفلسطين وإندونيسيا، جاء رداً على إعلان وزارة خارجية الاحتلال الإسرائيلي تعيين الدبلوماسي ميخائيل لوتيم سفيراً غير مقيم لدى الإقليم الانفصالي، وهو ما قوبل بإدانة شديدة من مقديشو وحلفائها.
رفض جماعي وتحذير من تداعيات إقليمية
وأكد البيان أن هذه الخطوة تمثل “انتهاكاً صارخاً لوحدة وسلامة الأراضي الصومالية”، مشدداً على رفض الإجراءات الأحادية التي تمس سيادة الدول أو تنتقص من وحدتها.
كما اعتبر أن تعيين سفير لدى كيان غير معترف به دولياً يعد مخالفة واضحة لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، فضلاً عن كونه سابقة خطيرة قد تقوض الاستقرار في القرن الإفريقي.
ويأتي هذا الموقف الجماعي في سياق تحركات إسرائيلية متسارعة في الإقليم، بدأت باعترافها بما يسمى “أرض الصومال” في كانون الأول/ديسمبر 2025، أعقبها توسيع العلاقات السياسية وزيارة وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي جدعون ساعر إلى الإقليم مطلع عام 2026، في مؤشر على سعي تل أبيب لترسيخ حضورها في منطقة استراتيجية مطلة على الممرات البحرية الدولية.
أنقرة في صدارة المشهد
في قلب هذا الحراك، برز الدور التركي بوصفه الأكثر تأثيراً، ليس فقط من خلال توقيع البيان المشترك، بل عبر تاريخ طويل من الانخراط المباشر في الملف الصومالي سياسياً وأمنياً وتنموياً، فقد اعتبرت أنقرة أن أي اعتراف بكيانات انفصالية داخل الصومال “أمر غير مقبول ويخالف الأعراف الدولية”، في موقف يعكس ثبات سياستها تجاه وحدة الدول ورفض مشاريع التقسيم.
ويعزز هذا الموقف سجل تركي ممتد في دعم الصومال، حيث لعبت أنقرة منذ عام 2015 دور الوسيط الرئيسي في المفاوضات بين الحكومة الفيدرالية في مقديشو وإقليم “أرض الصومال”، في محاولة لإيجاد تسوية سياسية تحفظ وحدة البلاد.
هذا الدور منح تركيا مكانة محورية في إدارة أحد أكثر الملفات تعقيداً في القرن الإفريقي.
كما تمتد العلاقة بين البلدين إلى مجالات أوسع، تشمل التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب، فضلاً عن مشاريع البنية التحتية وإعادة الإعمار، ما جعل من تركيا أحد أبرز الشركاء الدوليين للصومال خلال العقد الأخير.
دعم سياسي يتجاوز البيانات
ولم يقتصر الدعم التركي على المواقف السياسية، بل تجسد في تحركات عملية على أعلى المستويات، ففي كانون الأول 2025، استقبلت أنقرة الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، بعد أيام قليلة من إعلان الاحتلال الإسرائيلي اعترافها بالإقليم الانفصالي، حيث تناولت المباحثات تطورات الوضع في الصومال، وسبل تعزيز الوحدة الوطنية، إضافة إلى التعاون في مكافحة الإرهاب.
هذا اللقاء عكس، بحسب مراقبين، رغبة تركية واضحة في احتواء تداعيات الخطوة الإسرائيلية، ومنع تحولها إلى أمر واقع سياسي، عبر دعم الحكومة الفيدرالية وتعزيز شرعيتها على الصعيدين الإقليمي والدولي.
مقديشو ترفض وتطالب بتحرك دولي
من جهتها، سارعت الحكومة الصومالية إلى إدانة قرار الاحتلال الإسرائيلي، مؤكدة أن الصومال “دولة واحدة ذات سيادة وغير قابلة للتجزئة”، وداعية تل أبيب إلى التراجع الفوري عن هذه الخطوة.
كما وجهت مقديشو نداءً إلى المنظمات الدولية والإقليمية، من بينها الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي والاتحاد الأوروبي، لحشد موقف دولي رافض لأي إجراءات تمس وحدة البلاد، في محاولة لاحتواء التداعيات السياسية والقانونية للقرار.
“أرض الصومال” بين الواقع والاعتراف الدولي
ويُعد إقليم “أرض الصومال” كياناً انفصالياً أعلن استقلاله من جانب واحد عام 1991، لكنه لم يحظَ بأي اعتراف دولي رسمي حتى الآن، رغم نجاحه في بناء مؤسسات إدارية وأمنية مستقلة نسبياً.
غير أن الخطوة الإسرائيلية الأخيرة تمثل، وفق تقديرات خبراء، محاولة لكسر هذا الجمود، وفتح الباب أمام اعترافات محتملة من دول أخرى، وهو ما يثير مخاوف من إعادة رسم خريطة التحالفات في القرن الإفريقي، وزيادة حدة التوترات في منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية.
توازنات إقليمية ودور تركي مضاد
في هذا السياق، يُنظر إلى التحرك التركي على أنه جزء من استراتيجية أوسع لمواجهة محاولات إعادة تشكيل التوازنات في المنطقة، فأنقرة، التي عززت حضورها في القرن الإفريقي خلال السنوات الماضية، ترى في استقرار الصومال ووحدته عاملاً أساسياً لحماية مصالحها الاستراتيجية، لا سيما في ظل موقع البلاد الحيوي على طرق التجارة الدولية.
كما يشير مراقبون إلى وجود تنافس إقليمي على النفوذ في الصومال، حيث تتباين الأدوار بين قوى مختلفة، ففي حين تركز تركيا على دعم وحدة الدولة ومؤسساتها، تتهم أطراف إقليمية أخرى بالسعي إلى تعزيز النزعات الانفصالية، ما يجعل الملف الصومالي ساحة لتقاطع المصالح الدولية.
وساطة مستمرة وثقة متبادلة
وكان الرئيس الصومالي قد أشاد في كانون الأول 2022 بالدور التركي في الوساطة بين مقديشو وإقليم “أرض الصومال”، مؤكداً أهمية استئناف هذا المسار للوصول إلى حل سياسي شامل.
هذا التقدير يعكس مستوى الثقة الذي تحظى به أنقرة لدى الحكومة الصومالية، ويعزز قدرتها على لعب دور محوري في أي تسوية مستقبلية.
رسائل سياسية متعددة
يحمل البيان المشترك الذي تقوده تركيا عدة رسائل سياسية، أبرزها التأكيد على رفض أي محاولات لتغيير الواقع الجغرافي والسياسي للدول خارج إطار الشرعية الدولية، إضافة إلى إبراز قدرة الدول العربية والإسلامية على التنسيق المشترك في مواجهة التحديات الإقليمية.
كما يعكس التحرك، وفق محللين، صعود الدور التركي كقوة دبلوماسية مؤثرة، قادرة على حشد مواقف جماعية وتوجيهها في قضايا حساسة، مستفيدة من شبكة علاقاتها الواسعة في العالمين العربي والإسلامي.
مستقبل مفتوح على احتمالات متعددة
في ظل استمرار التوتر، تبقى احتمالات التصعيد قائمة، خاصة إذا مضى الاحتلال الإسرائيلي قدماً في تعزيز علاقاتها مع الإقليم الانفصالي.
غير أن الموقف الموحد الذي تقوده تركيا قد يشكل عامل ردع سياسي، يحد من فرص تحول هذه الخطوة إلى واقع دولي معترف به.
وفي المحصلة، يعكس هذا الملف اختباراً جديداً لموازين القوى في القرن الإفريقي، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية، بينما تبرز تركيا كلاعب رئيسي يسعى إلى تثبيت قواعد الاستقرار، ومنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من الانقسامات.







