
في وقت تشهد فيه منطقة الشرق الأوسط إعادة تشكيل متسارعة لمعادلات الأمن والدفاع، برزتالصناعات الدفاعية التركية بوصفها أحد أبرز المستفيدين من التحولات الجيوسياسية والعسكرية التيفرضتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وما تبعها من تصاعد المخاوف الأمنية لدى دولالخليج.
ومع ازدياد التهديدات المرتبطة بالحرب الجوية والطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى، بدأت دولالخليج البحث عن بدائل دفاعية أكثر مرونة وسرعة في التسليم، الأمر الذي دفع أنظار العديد منالعواصم الخليجية نحو تركيا وشركاتها الدفاعية العملاقة.
وبحسب تقارير إعلامية دولية، فإن أنظمة الدفاع الجوي التركية، وعلى رأسها منظومة “حصار”، أصبحت محط اهتمام متزايد من قبل دول المنطقة، وسط حديث عن طلبات شراء واتفاقيات دفاعيةجديدة تعكس صعود أنقرة لاعباً رئيسياً في سوق التسليح العالمي.
“حصار” التركية تثير اهتمام الخليج
وفقاً لما أورده موقع “ميدل إيست آي”، فإن التهديدات الأمنية الناتجة عن الحرب في المنطقة دفعت دولالخليج إلى إعادة تقييم منظوماتها الدفاعية، خاصة مع التحديات التي واجهتها أنظمة الرادار التقليديةأمام الطائرات المسيّرة بعيدة المدى والتقنيات الحديثة المستخدمة في الحروب غير التقليدية.
وأشار التقرير إلى أن بعض الردود الإيرانية باستخدام المسيّرات بعيدة المدى تسببت في إرباك وتعطيلعدد من أنظمة الرادار في المنطقة، ما عزز الحاجة إلى حلول دفاعية أكثر تطوراً ومرونة.
وفي هذا السياق، برزت منظومة “حصار” التركية كأحد الخيارات المطروحة بقوة، لا سيما أنها صُممتلحماية القواعد العسكرية والموانئ والمنشآت الحيوية من التهديدات الجوية المختلفة، بما فيها الطائراتالمقاتلة والمسيّرات وصواريخ كروز والصواريخ جو-أرض.
وتتميز عائلة “حصار” بقدرتها على العمل ضمن بيئات قتالية معقدة، إضافة إلى اعتمادها على تقنياتمحلية متطورة تمنح أنقرة استقلالية واسعة في الإنتاج والتطوير.
تأخر المنظومات الأمريكية يفتح الباب أمام تركيا
أحد أبرز العوامل التي ساهمت في صعود الصناعات الدفاعية التركية يتمثل في التأخيرات الكبيرة التيتواجهها الولايات المتحدة في تسليم أنظمة الدفاع الجوي مثل “باتريوت” و”ثاد”، الأمر الذي دفع دولالخليج إلى البحث عن شركاء قادرين على تلبية احتياجاتها بشكل أسرع وأكثر مرونة.
وبحسب التقرير، فإن دول الخليج “تتنافس عملياً” للحصول على المعدات الدفاعية، وسط اهتمام متزايدبالأنظمة التركية التي أثبتت حضورها الميداني في عدة مناطق نزاع.
كما أشار مصدر مطلع إلى أن حتى سلطنة عُمان، المعروفة بسياسة الحياد، بدأت تبدي اهتماماً واضحاً بالتعاون الدفاعي مع أنقرة، في مؤشر على اتساع دائرة النفوذ التركي داخل المنطقة الخليجية.
ويرى مراقبون أن هذا التحول لا يرتبط فقط بالجانب العسكري، بل يعكس أيضاً تنامي الثقة السياسيةوالاستراتيجية بتركيا بوصفها شريكاً قادراً على توفير التكنولوجيا والخبرة العسكرية دون القيودالسياسية المعقدة التي تفرضها بعض الدول الغربية.
“ساها 2026” يكشف حجم التحول
الاهتمام الخليجي المتزايد بالصناعات الدفاعية التركية ظهر بوضوح خلال معرض “SAHA EXPO2026” الدولي للصناعات الدفاعية والطيران والفضاء، الذي استضافته إسطنبول بمشاركة واسعة منوفود وشركات ومؤسسات عسكرية من مختلف أنحاء العالم.
وشهد المعرض حضوراً لافتاً لوفود خليجية وعراقية، في رسالة عكست حجم الاهتمام الإقليميبالتكنولوجيا العسكرية التركية، خاصة في مجالات الدفاع الجوي والطائرات المسيّرة والحربالإلكترونية.
كما كشفت التقارير عن توقيع وزير الدفاع الكويتي الشيخ عبد الله علي عبد الله الصباح بروتوكولاً حكومياً يتضمن شراء أنظمة ومعدات من شركات تركية كبرى، بينها Aselsan وHavelsanوBaykar وOtokar وYonca-Onuk.
وتُعد هذه الاتفاقيات مؤشراً إضافياً على انتقال الصناعات الدفاعية التركية من مرحلة الترويج الإقليميإلى مرحلة التوسع العالمي المنظم.
أردوغان: تركيا أصبحت منظومة دفاعية عالمية موثوقة
وفي كلمته خلال افتتاح معرض “ساها 2026”، أكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أنالصناعات الدفاعية التركية تجاوزت مرحلة “القوة الإقليمية”، وأصبحت منظومة عالمية موثوقةومفضلة للتعاون الاستراتيجي.
وأشار أردوغان إلى أن تركيا حققت قفزة نوعية في مجالات الدفاع والطيران والفضاء، موضحاً أنالمعرض بات يمثل علامة تجارية عالمية تستقطب الوفود العسكرية والشركات الاستثمارية من مختلفالدول.
وأوضح أن المعرض شهد مشاركة وفود وممثلين من 120 دولة، إضافة إلى 1763 شركة بينها1500 شركة محلية، مع عرض 203 منتجات دفاعية جديدة للمرة الأولى.
وأكد أن حجم الاتفاقيات والأعمال التي نتجت عن المعرض بلغ نحو 8 مليارات دولار، منها 6 ملياراتدولار تمثل صادرات مباشرة، في مؤشر على القوة المتنامية للصناعات الدفاعية التركية في الأسواقالعالمية.
صادرات قياسية وتراجع الاعتماد على الخارج
الرئيس التركي شدد أيضاً على أن بلاده نجحت في تقليص اعتمادها على الخارج في مجال الصناعاتالدفاعية بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة.
وأوضح أن صادرات الصناعات الدفاعية والفضائية التركية تجاوزت لأول مرة في تاريخ البلاد حاجز10 مليارات دولار، بعدما كانت لا تتجاوز 248 مليون دولار قبل سنوات.
كما أشار إلى أن صادرات الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026 ارتفعت بنسبة 28 بالمئة مقارنةبالفترة نفسها من العام الماضي، لتصل إلى نحو مليارين و871 مليون دولار.
ويرى خبراء أن هذه الأرقام تعكس نجاح استراتيجية التوطين التي انتهجتها أنقرة، خاصة في ظلالعقوبات والحظر غير المعلن الذي واجهته بعض المشاريع الدفاعية التركية في مراحل سابقة.
الذكاء الاصطناعي والحروب الحديثة
وفي معرض حديثه عن مستقبل الصناعات العسكرية، أكد أردوغان أن مفهوم الأمن لم يعد يقتصر علىامتلاك الأسلحة التقليدية، بل أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بالذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والحربالإلكترونية والأنظمة غير المأهولة.
وأشار إلى أن ساحات المعارك الحديثة تتغير بسرعة بفعل التكنولوجيا، وأن تركيا تسعى إلى أن تكونمن بين الدول التي تقود هذا التحول لا مجرد متلقٍ له.
وأضاف أن أنقرة باتت تمتلك قدرات متقدمة في تطوير الطائرات المقاتلة الوطنية والطائرات المسيّرةالهجومية وأنظمة الرادار والصواريخ والسفن الحربية وتقنيات الأقمار الصناعية.
وأكد أن تركيا أصبحت قادرة على تطوير أنظمتها الدفاعية محلياً “من أعماق البحار إلى الفضاء”، فيرسالة تعكس طموح أنقرة للتحول إلى قوة تكنولوجية وعسكرية مستقلة.
صناعة دفاعية تتحول إلى أداة نفوذ سياسي
ويرى مراقبون أن التوسع المتسارع للصناعات الدفاعية التركية لا يقتصر على المكاسب الاقتصاديةفقط، بل يشكل أيضاً أداة نفوذ سياسي واستراتيجي لأنقرة في مناطق متعددة، من الخليج إلى أفريقياوآسيا الوسطى.
فالنجاحات التي حققتها الطائرات المسيّرة التركية خلال السنوات الماضية، إلى جانب تطور أنظمةالدفاع الجوي والرادارات والحرب الإلكترونية، ساهمت في تعزيز صورة تركيا كمصدر موثوقللتكنولوجيا العسكرية الحديثة.
وفي ظل التحولات الإقليمية المتسارعة وتزايد التهديدات الأمنية، تبدو أنقرة في موقع يسمح لها بتوسيعحضورها داخل سوق السلاح العالمي، مستفيدة من مرونة صناعتها الدفاعية وسرعة إنتاجها وتزايدالطلب الدولي على أنظمتها القتالية.
ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط، يتوقع خبراء أن تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من الاتفاقياتالدفاعية بين تركيا ودول الخليج، في وقت تتحول فيه الصناعات العسكرية التركية إلى أحد أبرز أعمدةالنفوذ الاقتصادي والسياسي لأنقرة على الساحة الدولية.







