
افتتح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اليوم الجمعة، مسجد السليمية التاريخي بعد ترميمه، وإتمام عدد من المشاريع والمرافق الاقتصادية وذلك في ولاية أدرنة شمال غربي تركيا.
ويُعد مسجد السليمية في ولاية أدرنة شمال غربي تركيا واحدًا من أبرز المعالم الإسلامية والعثمانية في العالم، وأحد أعظم الإنجازات المعمارية التي شهدها القرن السادس عشر، حتى أن كبير المعماريين العثمانيين معمار سنان وصفه بأنه “أعظم أعماله” وذروة مسيرته المهنية.
ويقع المسجد في قلب مدينة أدرنة، التي كانت عاصمة الدولة العثمانية قبل فتح إسطنبول، حيث يتربع على أعلى نقطة في المدينة، وتبدو مآذنه الشاهقة وقبته العملاقة من مختلف أحياء أدرنة، ما جعله رمزًا بصريًا وثقافيًا للمدينة على مدى أكثر من أربعة قرون.
تاريخ البناء
أمر السلطان العثماني سليم الثاني ببناء المسجد عام 1568، وأسند المهمة إلى المعماري الشهير معمار سنان، الذي كان قد تجاوز الثمانين من عمره آنذاك. واستمرت أعمال البناء نحو سبع سنوات قبل أن تكتمل عام 1575، بعد وفاة السلطان بعام واحد. وقد حمل المسجد اسم السلطان سليم الثاني تخليدًا لذكراه.
ويُروى أن السلطان سليم الثاني اختار مدينة أدرنة بنفسه لتكون مقر هذا المشروع الضخم، لما كانت تتمتع به من مكانة خاصة لديه، ولأهميتها التاريخية والسياسية في الدولة العثمانية.
تحفة هندسية فريدة
يتميز مسجد السليمية بقبة مركزية ضخمة يبلغ قطرها نحو 31.5 مترًا، ترتكز على ثمانية أعمدة رئيسية وفق نظام هندسي مبتكر مكّن من توفير فضاء داخلي واسع ومفتوح دون عوائق بصرية، وهو ما اعتُبر إنجازًا هندسيًا متقدمًا في عصره. كما تحيط بالمسجد أربع مآذن رشيقة ترتفع لأكثر من 70 مترًا، لتشكل مع القبة لوحة معمارية فريدة تهيمن على أفق المدينة.
ويرى مؤرخون ومعماريون أن مسجد السليمية يمثل ذروة العمارة العثمانية الكلاسيكية، وأن تصميمه جمع بين الجمال الفني والابتكار الهندسي بصورة جعلته أحد أهم الصروح المعمارية الإسلامية في العالم.
روائع فنية داخلية
لا تقتصر أهمية المسجد على تصميمه الخارجي فحسب، بل تمتد إلى زخارفه الداخلية التي تُعد من أجمل نماذج الفن العثماني. ويشتهر المسجد ببلاط إزنيق الفاخر الذي يزين جدرانه وأروقته، إضافة إلى النقوش والخطوط الإسلامية الدقيقة والأعمال الرخامية المتقنة التي تعكس ازدهار الفنون العثمانية في القرن السادس عشر.
مجمع حضاري متكامل
لم يكن مسجد السليمية مجرد مكان للعبادة، بل شُيّد ضمن مجمع عمراني متكامل يضم مدارس دينية ومكتبة وساحات واسعة ومرافق اجتماعية وتجارية، في نموذج يجسد مفهوم “الكُلية” العثمانية التي كانت تجمع بين الوظائف الدينية والتعليمية والاجتماعية في مؤسسة واحدة.
اعتراف عالمي
في عام 2011 أدرجت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) مسجد السليمية ومجمعه الاجتماعي على قائمة التراث العالمي، معتبرة إياه تحفة من روائع الإبداع الإنساني وأحد أبرز الإنجازات المعمارية في تاريخ الدولة العثمانية. كما أكدت المنظمة أن المسجد يمثل التعبير الأكمل عن العمارة العثمانية في عصرها الذهبي.
رمز حضاري مستمر
اليوم، لا يزال مسجد السليمية يستقطب مئات الآلاف من الزوار والسياح سنويًا من مختلف أنحاء العالم، بوصفه أحد أهم المعالم التاريخية والدينية في تركيا. كما يواصل أداء دوره الديني والثقافي، محافظًا على مكانته كرمز للحضارة العثمانية وشاهد على عبقرية معمار سنان الذي ترك بصمته الخالدة في تاريخ العمارة العالمية.







