
تحول جيوسياسي كبير ترسمه أنقرة في علاقتها مع القارة العجوز، يعكسه تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأخير، الذي أكد فيه أن عدم انضمام بلاده إلى الاتحاد الأوروبي يمثل خسارة لأوروبا أكثر مما هو خسارة لتركيا.
هذا الموقف لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تراكمات سياسية واقتصادية وعسكرية جعلت من تركيا لاعباً إقليمياً لا يمكن تجاوزه في خارطة التوازنات الدولية الجديدة، خاصة في ظل الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالأمن الأوروبي من الشرق.
تدرك أنقرة اليوم أن موازين القوى قد تغيرت، وأن زمن الانتظار الطويل على أبواب بروكسل قد ولى إلى غير رجعة، حيث يرى مراقبون أن الخطاب التركي الحالي يعكس حالة من الثقة بالنفس، مستمدة من تنويع التحالفات، والاعتماد على الذات في التصنيع العسكري، وتطوير القدرات الاقتصادية المستقلة.
فالجمهورية التركية، التي كانت ترى في العضوية الأوروبية بوابة وحيدة للحداثة والتطور، باتت اليوم تنظر إلى نفسها كقوة مركزية تربط الشرق بالغرب، وتمتلك مفاتيح ملفات حيوية لا تملك أوروبا رفاهية تجاهلها.
في هذا السياق، يشير المحلل السياسي علي تمي، إلى أن “الإعلان عن اتفاق مكة، أو ما يمكن وصفه بتحالف القوى السنية الصاعدة، قد منح تركيا دفعاً استراتيجياً هائلاً، جعلها في غنى عن القروض الأوروبية أو حتى الأنظمة الدفاعية الغربية، مثل منظومات باتريوت، التي طالما كانت مادة للمساومة السياسية”.
وأضاف في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن تركيا اليوم باتت تمتلك ترسانة من الأسلحة الحديثة والمتطورة محلياً، مما جعلها قوة إقليمية مهابة الجانب، مدعومة بعلاقات اقتصادية متينة مع السعودية وقدرات نووية باكستانية، في إطار منظومة تحالفية جديدة تعيد تشكيل المنطقة، وفق تعبيره.
ويرى تمي أن “أوروبا باتت الحلقة الأضعف في المشهد الدولي الحالي، فهي تحتاج إلى تركيا كدرع لحماية بوابتها الشرقية، خاصة مع تصاعد نبرة التهديدات والمواجهة الوشيكة مع إيران، إضافة إلى القلق الأوروبي والأمريكي المتزايد من التمدد الصيني الذي يزاحم النفوذ الغربي في كل مكان”.
وأكد على أن هذه المعطيات تضع تركيا في موقع القوة التي تفرض شروطها، لا التي تطلب الرضا من عواصم القارة العجوز، التي تعاني من انقسامات داخلية وأزمات اقتصادية وهيكلية، حسب قوله.
من جانبه، يحلل الباحث في العلاقات الدولية محمود علوش هذا التحول من زاوية مختلفة، مؤكداً أن “الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لم يعد أولوية بالنسبة لصنّاع القرار في أنقرة، ليس لأنهم تخلوا عن هذا الطموح نهائياً، بل لأنهم وصلوا إلى قناعة تامة بأن الاتحاد لا يريد لتركيا أن تكون عضواً فيه، لأسباب تتعلق بالهوية والسياسة والديموغرافيا”.
وهذا الخطاب، وفق علوش، يعكس الكيفية التي أحدث بها أردوغان تحولات جذرية في اهتمامات الدولة التركية وتوجهاتها الاستراتيجية نحو الشرق والعالم الإسلامي.
ويضيف علوش في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن “تركيا نجحت في صياغة هوية جيوسياسية مستقلة تماماً، وأصبحت قوة مؤثرة بشكل كبير في محيطها الإقليمي والدولي، بل إن الحاجة الأوروبية إلى تركيا تضاعفت في ملفات عديدة، خاصة في مرحلة ما بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، حيث برزت أهمية تركيا كجزء أصيل من منظومة إنتاج الأمن والدفاع الأوروبي”.
ورغم استمرار قوة العلاقات الاقتصادية والتجارية بين الطرفين، فإن أردوغان يريد استثمار هذا الوضع لإظهار أن بلاده لم تعد مستعدة للاستجابة للمتطلبات السياسية القاسية التي يفرضها الاتحاد الأوروبي مقابل عضوية يبدو أنها لن تتحقق في المدى المنظور، وفق علوش.
الواقع الجديد في العلاقات التركية الأوروبية يتسم بالندية والواقعية السياسية. فتركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي وتتحكم في ممرات الطاقة الحيوية وخطوط الملاحة الدولية عبر المضائق، باتت تدرك أن وزنها النوعي يفوق كثيراً مجرد كونها دولة مرشحة للعضوية.
ويرى علوش أن “القارة الأوروبية، التي تواجه شيخوخة سكانية وتراجعاً في القوة العسكرية، تجد نفسها مضطرة إلى التنسيق مع أنقرة في ملفات الهجرة غير الشرعية، ومكافحة الإرهاب، وتأمين إمدادات الغاز من حوض المتوسط وآسيا الوسطى”.
كما أن التوجه التركي نحو العمق الآسيوي والأفريقي، وبناء شراكات استراتيجية مع القوى الصاعدة، حسب مراقبين، وفر لأنقرة بدائل حقيقية عن السوق الأوروبية التي كانت تهيمن على التجارة الخارجية التركية، فالاقتصاد التركي، الذي أظهر قدرة عالية على الصمود أمام الهزات العالمية، بات أكثر تنوعاً وانفتاحاً على أسواق جديدة، مما قلل من فاعلية الضغوط الاقتصادية التي كان يمارسها الاتحاد الأوروبي كأداة للضغط السياسي.
إن الرسائل التي يبعث بها أردوغان إلى بروكسل تحمل في طياتها رؤية لتركيا القرن الجديد، التي لا تحصر نفسها في إطار جغرافيا واحدة، بل تتحرك في كل الاتجاهات لحماية مصالحها القومية وأمنها الحيوي.
فتركيا اليوم لم تعد هي تركيا الثمانينيات أو التسعينيات التي كانت تبحث عن القبول، بل هي دولة تصنع الأحداث وتشارك في رسم خارطة المصالح الدولية، مما يجعل من تجاهلها أو استمرار المماطلة في ملف عضويتها خطأً استراتيجياً أوروبياً قد تدفع القارة ثمنه غالياً، في ظل التحولات العالمية الكبرى التي تشير إلى تراجع هيمنة الغرب وبروز أقطاب دولية جديدة تجد في أنقرة شريكاً قوياً وموثوقاً.
وفي نهاية المطاف، يبدو أن العلاقة بين تركيا والاتحاد الأوروبي تتجه نحو صياغة تفاهمات جديدة تقوم على أساس المصالح المشتركة والتعاون الأمني والاقتصادي، بعيداً عن أوهام العضوية الكاملة التي باتت عبئاً على الطرفين. فتركيا اختارت طريقها كقوة مستقلة ومؤثرة، وأوروبا تجد نفسها أمام خيار وحيد، وهو التعامل مع هذا الواقع الجديد بكل ما يحمله من تحديات وفرص، خاصة أن التاريخ والجغرافيا يحكمان بأن أي أمن أوروبي مستدام لا يمكن تصوره من دون دور تركي فاعل ومحوري في حماية البوابة الشرقية للقارة، التي باتت تعيش في عين العاصفة الدولية.







