
يشهد الدور التركي في الشرق الأوسط توسعاً متسارعاً، ولا سيما في سوريا ولبنان، في وقت تتزايد فيه حساسية حكومة الاحتلال الإسرائيلي تجاه أي تحولات في موازين القوى الإقليمية، وسط صعود قوى جديدة وتراجع قدرة الاحتلال الإسرائيلي على إدارة الملفات المحيطة بها بصورة منفردة.
وتبرز سوريا بوصفها الساحة الأكثر وضوحاً لهذا التنافس، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد وإعادة تشكيل المشهد السياسي والأمني في دمشق. فقد تحولت تركيا خلال الفترة الماضية إلى أحد أبرز الداعمين للحكومة السورية الجديدة، ووسعت تعاونها معها في مجالات الأمن والدفاع وإعادة الإعمار والاقتصاد.
وفي 6 آب/أغسطس الجاري، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن تركيا وسوريا تعملان عبر آليات ومجموعات عمل مشتركة بصورة مستمرة، مشيراً إلى أن أنقرة ودمشق لا تنظران إلى أمن واستقرار البلدين بصورة منفصلة.
كما تحدث عن تعميق التعاون في مكافحة الإرهاب والدفاع والأمن، إلى جانب مشاريع في الصحة والتعليم والبنية التحتية والنقل.
هذا المسار بات يثير قلقاً إسرائيلياً متزايداً، ففي 18 آب/أغسطس، شن الاحتلال الإسرائيلي غارات على مطار أبو الظهور المهجور في ريف إدلب.
وبرر الاحتلال الإسرائيلي الهجوم بمخاوف من احتمال نشر قوات تركية في القاعدة، بينما نفت أنقرة الاتهامات الإسرائيلية وأكدت أن تعاونها مع سوريا يهدف إلى دعم الاستقرار وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
ولم تتوقف تداعيات الهجوم عند حدود سوريا، إذ دفعت التطورات الولايات المتحدة إلى العمل على إنشاء آلية لمنع الاحتكاك بين تركيا والاحتلال الإسرائيلي وسوريا، في محاولة لتفادي تحول التوتر الحالي إلى مواجهة مباشرة بين دولتين حليفتين لواشنطن.
وقال المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، توم باراك، إن غياب قنوات الاتصال كان يمكن أن يؤدي إلى تصعيد خطير.
وفي هذا السياق، قال الكاتب في الشأن السياسي عبد الرحيم خليفة لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “الدور المتنامي لتركيا في عموم الإقليم، ولا سيما في سوريا، والشراكات التي تعمل على تطويرها مع عدد من دول المنطقة، تثير قلق إسرائيل، التي تحاول الاستفراد بالمنطقة، مستفيدةً من حالة الفراغ والانكشاف غير المسبوقين، بما يغري العديد من الدول صاحبة المشاريع والأجندات بالتدخل وتوسيع نفوذها”.
وأضاف “اليوم، في الحرب الدائرة مع إيران من جهة اسرائيل وأميركا محاولة لإنهاء المشروع الإيراني وبالتأكيد هي لا تنتظر الخلاص من ايران لمواجهة التمدد التركي، التي تقول المصادر الاسرائيلية أن الحرب معها قادمة ولا بد منها”.
وتابع “تتطلع تركيا إلى بناء علاقات مستدامة مع دول المنطقة، وتتخذ موقفاً واضحاً ومبدئي من سياسات إسرائيل، فيما يجعل ثقلها العسكري والبشري والاقتصادي منها قوة إقليمية تحسب لها إسرائيل ألف حساب”.
واستراتيجياً، يصعب على إسرائيل تحمّل كل هذه المتغيرات المتسارعة في المنطقة، بدءاً من سقوط نظام الأسد، وما ترتب عليه من إعادة تشكيل لموازين القوى والتحالفات، وصولاً إلى تنامي الدور التركي واتساع شبكة شراكاتها الإقليمية، وفق تعبيره.
ولا يقتصر الحضور التركي على سوريا، إذ تسعى أنقرة إلى توسيع تعاونها مع لبنان أيضاً، مستفيدة من علاقاتها السياسية والأمنية والاقتصادية المتنامية مع بيروت.
وكان الرئيس اللبناني جوزاف عون قد زار أنقرة في نهاية تموز/يوليو الماضي، حيث بحث مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان العلاقات الثنائية والتطورات الإقليمية.
وأكد أردوغان آنذاك استعداد تركيا للاضطلاع بدور فاعل في المبادرات الرامية إلى حماية سيادة لبنان، خصوصاً بعد انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان.
وتملك أنقرة بالفعل أساساً مؤسسياً لعلاقاتها العسكرية مع بيروت، إذ تعود العلاقات العسكرية الثنائية إلى اتفاق إطار وقع عام 2010، وتطورت لاحقاً عبر التدريب والتعاون التقني والمساعدات العسكرية بين القوات المسلحة التركية والجيش اللبناني.
كما أن البعد الإقليمي للعلاقات التركية اللبنانية والسورية يتوسع بصورة أكثر تنظيماً. فقد أعلنت تركيا وسوريا والأردن ولبنان تأسيس مجلس تعاون رفيع المستوى، بهدف تعزيز الشراكة طويلة الأمد والتكامل الاقتصادي وتسهيل حركة السلع والأشخاص بين الدول الأربعة.
ويعكس ذلك محاولة أنقرة الانتقال من العلاقات الثنائية إلى بناء شبكة إقليمية أوسع ترتبط فيها الملفات الأمنية والاقتصادية والسياسية.
ويقول الدكتور عبد الباسط أبو نبوت، الباحث في العلاقات الدولية لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “تعزيز الحضور التركي في سوريا ولبنان يعكس تحولاً في طبيعة الدور الإقليمي لأنقرة، ليس فقط على المستوى الأمني والعسكري، بل أيضاً عبر أدوات السياسة والاقتصاد وإعادة الإعمار. فتركيا تنظر إلى محيطها الإقليمي باعتباره امتداداً مباشراً لأمنها القومي، وترى أن استقرار بغداد ودمشق وبيروت يرتبط بشكل وثيق بأمنها ومصالحها الاستراتيجية”.
وتابع “في المقابل، تنظر سوريا ولبنان إلى العلاقة مع تركيا باعتبارها علاقة مهمة وقائمة على المصالح المشتركة، وتسعى إلى الحفاظ عليها وتطويرها ضمن إطار يحترم سيادة الدول ويعزز التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية”.
ورأى أن “هذا الحضور التركي المتزايد يفرض معادلات جديدة في المنطقة، ويزيد من تعقيد حسابات الحكومة الإسرائيلية، خصوصاً مع تعدد القوى الإقليمية المؤثرة وتراجع قدرة أي طرف على إدارة ملفات المنطقة بشكل منفرد. المرحلة المقبلة ستعتمد على قدرة الدول على بناء تفاهمات تحقق الاستقرار والتنمية”.
وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي بات يتعامل مع النفوذ التركي في سوريا باعتباره ملفاً أمنياً قائماً بذاته، وليس مجرد امتداد للعلاقات التركية السورية.
وقال وزير خارجية الاحتلال الإسرائيلي غدعون ساعر إن “إسرائيل لا تريد تصعيداً مع تركيا، لكنها لن تقبل إقامة قواعد تركية في سوريا”، في مؤشر واضح على أن تل أبيب تسعى إلى وضع حدود للتحرك التركي داخل الساحة السورية.
وفي المقابل، تصر أنقرة على أن تعاونها مع دمشق يستند إلى الشرعية وسيادة الدولة السورية.
وبعد الغارات الإسرائيلية على أبو الظهور، وصفت وزارة الخارجية التركية الهجمات أنها انتهاك لوحدة الأراضي السورية وسلامتها الإقليمية، فيما أكدت استمرار تعاونها مع الحكومة السورية من أجل تحقيق الاستقرار والتنمية.
ويأتي ذلك بالتزامن مع موقف تركي أكثر وضوحاً تجاه الاحتلال الإسرائيلي على المستوى الإقليمي، ففي 21 آب/أغسطس، شاركت تركيا ولبنان ودول عربية وإسلامية أخرى في بيان مشترك أدان الغارات الإسرائيلية على قاعدة أبو الظهور، وطالب باحترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها والعودة إلى ترتيبات اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.
وتكشف هذه التطورات عن انتقال التنافس التركي الإسرائيلي إلى مرحلة أكثر حساسية، فبينما بحاول الاحتلال الإسرائيلي الحفاظ على حرية الحركة العسكرية وتقييد أي حضور أمني قد يعتبره تهديداً على حدوده الشمالية، تسعى تركيا إلى تثبيت موقعها باعتبارها قوة إقليمية فاعلة تمتلك أدوات عسكرية واقتصادية ودبلوماسية واسعة.
وبذلك، فإن تعزيز الحضور التركي في سوريا ولبنان لا يعني بالضرورة اقتراب مواجهة مباشرة بين أنقرة وتل أبيب، لكنه يرفع مستوى التعقيد في الحسابات الإسرائيلية، ويجعل أي تحرك في سوريا أو لبنان مرتبطاً بشبكة أوسع من المصالح والتحالفات.
ومع استمرار إعادة تشكيل المنطقة بعد سقوط النظام السوري وتراجع أدوار قوى تقليدية، تبدو تركيا أمام فرصة لتوسيع نفوذها، بينما تواجه إسرائيل واقعاً إقليمياً أكثر تعدداً وأقل قابلية للضبط من طرف واحد.







