تكنولوجياهام

تركيا تبني في الصومال بنية تحتية تجمع بين الفضاء والصناعات الدفاعية.. لماذا؟ (تقرير)

تتجه العلاقات التركية الصومالية إلى مرحلة أكثر عمقاً، مع انتقال التعاون بين أنقرة ومقديشو من المجالات الإنسانية والتنموية والأمنية إلى مشاريع استراتيجية تجمع بين الفضاء والدفاع والأمن البحري والطاقة.

وفي قلب هذا التحول يبرز مشروع إنشاء ميناء فضائي تركي على الساحل الصومالي للمحيط الهندي، في خطوة قد تمنح تركيا قدرة مستقلة على إطلاق الأقمار الصناعية، وتفتح في الوقت نفسه الباب أمام استخدام المنشأة لأغراض مرتبطة بالصناعات الدفاعية.

وتشير معطيات رسمية وتقارير صحفية إلى أن المشروع بدأ فعلياً، وأن مرحلته الأولى تستهدف الاكتمال بحلول صيف عام 2027.

وتقدر كلفته بنحو 350 مليون دولار، فيما اختير موقعه قرب مدينة ورشيخ، على بعد نحو 70 كيلومتراً شمال مقديشو، بسبب الموقع الجغرافي للصومال وقربه من خط الاستواء.

من الأقمار الصناعية إلى موقع إطلاق مستقل

أعلنت تركيا رسمياً في نهاية عام 2025 بدء إنشاء ميناء فضائي في الصومال ضمن هدفها المعلن لتوفير وصول مستقل إلى الفضاء.

وقال وزير الصناعة والتكنولوجيا التركي محمد فاتح كاجر، في تصريحات صحفية، إن دراسات الجدوى والتصميم للمشروع اكتملت، وإن أعمال المرحلة الأولى بدأت بالفعل.

كما أوضح أن اختيار الصومال جاء بعد تقييم المزايا التي توفرها المناطق القريبة من خط الاستواء.

وتوفر المناطق الاستوائية ميزة تقنية مهمة، إذ تسمح الاستفادة من سرعة دوران الأرض بتقليل الطاقة والوقود المطلوبين للوصول إلى المدار، فضلاً عن إمكانية زيادة الحمولة التي يمكن للصاروخ حملها. كما يمنح الموقع الساحلي على المحيط الهندي ميزة إضافية تتمثل في وجود مساحة بحرية واسعة يمكن أن تسقط فيها أجزاء الصواريخ أو مراحلها بعد الإطلاق بعيداً عن التجمعات السكانية.

وتطمح أنقرة، وفق ما نقلته صحيفة “لوموند” الفرنسية، إلى ألا يقتصر المشروع على إطلاق الأقمار الصناعية التركية، بل أن يتحول مستقبلاً إلى منشأة قادرة على خدمة السوق التجارية العالمية، بما يسمح لدول أخرى بإطلاق أقمارها الصناعية من الأراضي الصومالية مقابل عوائد اقتصادية.

ووفق الصحيفة، يمكن للمشروع أن يجعل تركيا الدولة الثالثة عشرة عالمياً التي تمتلك منشأة إطلاق فضائي سيادية.

ولا ينفصل المشروع عن البرنامج الفضائي التركي الأوسع. فقد أكد رئيس وكالة الفضاء التركية يوسف كِراتش، في أبريل 2026، أن أنقرة تبني الميناء الفضائي في الصومال بهدف ضمان وصول طويل الأمد ومستقل إلى الفضاء، بالتوازي مع تطوير الأقمار الصناعية والصواريخ والبرامج القمرية التركية. كما تستهدف تركيا تنفيذ مهمة قمرية في عام 2027.

البعد الدفاعي يغيّر طبيعة المشروع

الجانب الأكثر إثارة في المشروع يتعلق بما كشفته “لوموند” عن احتمال دمج المنشأة الفضائية مع موقع لاختبار الصواريخ الباليستية لصالح الصناعات الدفاعية التركية.

وتشير الصحيفة، استناداً إلى صور أقمار صناعية ومصادر مرتبطة بالمشروع، إلى أن أعمال البناء بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2025، وأن الموقع شهد لاحقاً إنشاء مهبط للطائرات المروحية ومنشآت محيطة وحواجز ومبانٍ ومرافق أخرى.

كما ذكرت أن المرحلة الأولى من المشروع يفترض أن تنتهي صيف 2027.

وهنا تظهر أهمية المشروع بالنسبة للصناعات الدفاعية التركية، إذ إن البنية التحتية المطلوبة لإطلاق مركبات فضائية تتقاطع في جوانب تقنية ولوجستية مع احتياجات اختبار الصواريخ بعيدة المدى، خصوصاً في ما يتعلق بمساحات الإطلاق وممرات السقوط ومراقبة المسار وتأمين المنطقة.

لكن من المهم التمييز بين ما هو معلن رسمياً وما ورد في التقارير، فأنقرة أعلنت أن المشروع يهدف إلى تحقيق الاستقلال في الوصول إلى الفضاء وإطلاق الأقمار الصناعية، بينما لم تعلن رسمياً أن المنشأة ستستخدم لاختبار الصواريخ الباليستية.

أما هذا الجانب فقد أوردته “لوموند” ومصادر إعلامية أخرى باعتباره جزءاً محتملاً من الاستخدامات المستقبلية للموقع.

حزام أمني حول المنشأة

وتزامناً مع إنشاء المنشأة الفضائية، تتزايد التقارير عن تطوير بنية أمنية وعسكرية في محيطها، ولا سيما في منطقة باشاقلي الواقعة بين قَدَلي وورشيخ في إقليم شبيلي الوسطى.

وتفيد تقارير محلية حديثة بأن المنطقة تتجه إلى التحول إلى نطاق عسكري استراتيجي لحماية المنشأة، مع خطط لإنشاء مرافق لدعم القوات البرية، ومنشآت جوية وبنية تحتية بحرية.

كما تشير هذه التقارير إلى احتمال مشاركة وحدات “غورغور” الصومالية التي تلقت تدريباً ودعماً تركياً في تأمين المنطقة.

ويأتي ذلك في منطقة لا تزال تواجه تهديدات أمنية من “حركة الشباب”، ما يجعل حماية منشأة استراتيجية بهذا الحجم تحدياً أساسياً.

وكانت تقارير سابقة قد تحدثت عن توسيع الوجود العسكري التركي في إقليم شبيلي الوسطى ودعم القوات الصومالية في عملياتها ضد الحركة.

وبذلك، لا يبدو أن الميناء الفضائي سيعمل بمعزل عن البيئة الأمنية المحيطة به، بل قد يتطلب إنشاء منظومة حماية متعددة المستويات تشمل البر والجو والبحر.

الفضاء جزء من شبكة نفوذ أوسع

لا يمكن فهم المشروع الفضائي بمعزل عن توسع التعاون التركي الصومالي خلال السنوات الأخيرة.

فمنذ زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى العاصمة الصومالية مقديشو عام 2011، تطورت العلاقات من المساعدات الإنسانية والتنموية إلى شراكة تشمل الدفاع والأمن والاقتصاد والطاقة والبنية التحتية.

وفي شباط/فبراير 2024، وقعت تركيا والصومال اتفاقية إطار للتعاون الدفاعي والاقتصادي لمدة عشر سنوات، تتضمن دعم بناء وتدريب وتجهيز البحرية الصومالية وتعزيز أمن المياه الإقليمية ومواجهة القرصنة والصيد غير القانوني والتهديدات البحرية.

وتكتسب هذه الشراكة أهمية إضافية بالنظر إلى امتلاك الصومال أحد أطول السواحل في أفريقيا، بطول يقارب 3333 كيلومتراً على المحيط الهندي وخليج عدن.

وتشير تقديرات مشروع “إناكت” التابع لمعهد الدراسات الأمنية إلى أن الصومال يخسر نحو 300 مليون دولار سنوياً بسبب الصيد غير القانوني وغير المبلغ عنه وغير المنظم، ما يجعل تطوير قدراته البحرية قضية اقتصادية وأمنية في آن واحد.

كما تمثل قاعدة التدريب العسكرية التركية في مقديشو، المعروفة باسم “تركصوم”، ركناً رئيسياً في هذه العلاقة، إلى جانب التعاون في الطاقة والاستكشاف البحري ومشروعات البنية التحتية.

شراكة تدخل مرحلة جديدة

وتزامن الكشف عن تطورات المشروع الفضائي مع تأكيد تركي وصومالي، خلال أيلول/سبتمبر الجاري، أن العلاقات بين البلدين تدخل مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية.

وفي 10 أيلول/سبتمبر الجاري، استضافت مقديشو برنامجاً بعنوان “علاقات تركيا والصومال في مرحلة جديدة: الثقة والتعاون والشراكة الاستراتيجية”، بمشاركة مسؤولين وأكاديميين من البلدين.

وأكد رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران أن السياسة التركية تجاه الصومال تقوم على مبدأ “الكسب المشترك”، مشدداً على دعم أنقرة لسيادة الصومال ووحدة أراضيه.

وأشار دوران إلى أن العلاقة تطورت لتشمل التنمية والأمن والتعاون الاقتصادي وبناء القدرات المؤسسية، فيما تناول المشاركون مجالات الدفاع والاقتصاد والطاقة والبحرية والبنية التحتية إلى جانب مكافحة التضليل الإعلامي.

وهكذا، فإن مشروع الميناء الفضائي يمثل أكثر من استثمار تكنولوجي جديد، فهو يجمع في موقع واحد عناصر متعددة من السياسة التركية في الصومال: الوصول المستقل إلى الفضاء، تطوير الصناعات الدفاعية، حماية المصالح البحرية، دعم القوات الصومالية، وتوسيع الحضور الاقتصادي والاستراتيجي في القرن الأفريقي.

وبالنسبة إلى تركيا، يمكن أن يوفر المشروع منصة جديدة لتعزيز مكانتها في سوق الفضاء العالمية، فيما يمنحها الموقع الجغرافي للصومال منفذاً استراتيجياً على المحيط الهندي.

أما بالنسبة إلى مقديشو، فيحمل المشروع فرصة للحصول على بنية تحتية فضائية متقدمة والاستفادة من الاستثمارات والتكنولوجيا والتدريب.

وبين الفضاء والدفاع والبحر، تتشكل بذلك مرحلة جديدة في العلاقة بين أنقرة ومقديشو، عنوانها الأبرز أن الشراكة لم تعد تقتصر على دعم الاستقرار الصومالي، بل أصبحت جزءاً من تصور تركي أوسع لحضور طويل الأمد في القرن الأفريقي والمحيط الهندي.

زر الذهاب إلى الأعلى