خطبة الجمعة في تركيا.. قيمة المرء بأخلاقه لا بماله ومكانته

أكدت خطبة الجمعة في عموم مساجد تركيا، اليوم، على أن قيمة الإنسان الحقيقية لا تُقاس بمظهره أو ثروته أو مكانته الاجتماعية، بل بتقواه وأخلاقه وإحسانه إلى الآخرين.

ولفتت إلى أن الحفاظ على الإنسانية طوال الحياة، وترسيخ الرحمة والتسامح والصدق في التعامل، يمثل جوهر الغاية من خلق الإنسان، داعية إلى الابتعاد عن الكبر والغيبة والضغائن، ومدّ يد العون إلى الضعفاء والمحتاجين.

الخطبة:

أيها المسلمون الكرام

لقد خلق ربنا سبحانه وتعالى الإنسان كائناً متميزاً، يفكر بعقله، ويشعر بقلبه، ويختار بإرادته، ويمنح حياته المعنى من خلال خياراته وقراراته.

نعم، إن الولادة إنساناً نعمة عظيمة، لكن الأهم هو أن يظل المرء إنساناً طوال حياته، وأن يحرص على نيل رضا الله، وأن يعيش بما يتوافق مع الغاية التي خُلق من أجلها، ويتطلب ذلك إبقاء أبواب الخير مفتوحة في نفوسنا، مع عدم السماح للشر بالتسلل إليها.

أيها المؤمنون الأعزاء

غالباً ما نبحث عن الإنسانية في الأعمال الكبيرة، بينما تكمن حقيقتها في التفاصيل الصغيرة والمواقف اليومية.

وتحمل لنا هذه الحادثة التي وقعت في عصر السعادة، زمن النبي صلى الله عليه وسلم، دروساً عظيمة في هذا الشأن.

ففي أحد الأيام، جاء رجل مسن لزيارة نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم، لكن الحاضرين تباطؤوا في إفساح المجال له.

عندها قال رسول الرحمة صلى الله عليه وسلم “ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويوقر كبيرنا”.

نعم، من يوقر كبار السن ينل الاحترام طوال حياته، ومن يعامل الأطفال بالحنان يتخلص من قسوة القلب.

ومن يُحسن إلى أمه وأبيه يجد السكينة والسعادة بالقرب منه، ومن يزور المرضى يمنح روحه الطمأنينة.

ومن يشارك الأيتام والمحرومين طعامه، يجلب الرحمة والبركة إلى بيته، ومن يلقي السلام على جاره يكون سبباً في نشر المحبة والمودة داخل المجتمع.

أيها المسلمون الأفاضل

يلفت الله سبحانه وتعالى انتباهنا بقوله “أيحسب الإنسان أن يُترك سُدى”، لكن الإنسان قد ينسى أحياناً القيمة التي منحه إياها ربه، فيجعل منصبه سبباً للتعالي على الآخرين، وثروته وسيلة للتفاخر، وعلمه أداة للغرور، وقوته ذريعة لإيذاء الناس.

غير أن ديننا الإسلامي يعلمنا أن قيمتنا لا تنبع من مظهرنا الخارجي، أو ثروتنا، أو مناصبنا، أو مكانتنا في المجتمع.

فالغنى الحقيقي هو القدرة على رعاية المحتاجين، والقوة الحقيقية هي القدرة على ضبط الغضب، أما التفوق الحقيقي فيكمن في التقوى.

إخوتي الكرام

أحياناً نعتني بمظاهرنا، لكننا لا نولي قلوبنا القدر نفسه من الاهتمام. ونمضي وقتاً أمام المرآة أكثر مما نخصصه لمحاسبة أنفسنا ومراجعة تصرفاتنا.

وقد نحول كلمة صغيرة إلى ضغينة كبيرة، ونُبقي الخلافات بيننا لسنوات طويلة، من دون أن نسلك طريق العفو والمغفرة.

وقد تمنعنا النزاعات على الميراث من طرق أبواب إخوتنا، كما قد نتوقف عن إلقاء السلام على جيراننا الذين نقف إلى جوارهم كتفاً إلى كتف في صف الصلاة، ونقطع صلاتنا بأقاربنا ونبتعد عنهم.

أيها المسلمون الأعزاء

أود أن أكرر، نظراً إلى أهميته، ما ذكرناه في بداية خطبتنا: إن الولادة إنساناً نعمة عظيمة، لكن الأهم هو أن يظل المرء إنساناً طوال حياته.

لذلك، علينا أن نبادر، اعتباراً من اليوم، إلى إعادة ترسيخ الحنان في بيوتنا، والرحمة في شوارعنا، والصدق والأمانة في تعاملاتنا التجارية.

ولنطهّر ألسنتنا من الغيبة، وقلوبنا من الكبر، ولنستخدم قوتنا في حماية الضعفاء وتوفير الملاذ لهم، ولنجعل كلماتنا وسيلة لترميم القلوب المجروحة وجبر الخواطر المكسورة.

عندها فقط ستكتسب رحلتنا العابرة على هذه الأرض معنى حقيقياً، وستتحول بذور الرحمة التي نزرعها في الدنيا إلى رحمة أبدية في الآخرة.

Exit mobile version