شماتة ظاهرة وفرحة لم تكتمل وحقد دفين لم يتغير، هذا هو حال الكيان الصهيوني وإعلامه ليلة الانقلاب الفاشل في تركيا يوم 15 تموز/يوليو 2016.
عناوين الأخبار حول الانقلاب الفاشل قبل 3 سنوات في تل أبيب لم تختلف ـ مع الأسف ـ عن مثيلاتها في بعض العواصم العربية، من فرحة غامرة وشماتة ظاهرة في الساعات الأولى للأحداث، ثم تبرير للفشل بعد انقلاب السحر على الساحر بخطاب إعلامي مفضوح النوايا، وضع نفسه وصيا على الشعب التركي ولسان حاله (لقد فشل الانقلاب و”لكن”.. الشعب التركي يريد الاصلاحات).
الشعب التركي يريد؟
في صحيفة “ذار ماركر” الإسرائيلية، وهي ملحق صحيفة “هآرتس”، وبعد يوم ونصف تقريبا من المحاولة الانقلابية الفاشلة، أي بتاريخ 17 تموز/يوليو 2016، جاء عنوان المانشيت “فشلت محاولة الانقلاب العسكري في تركيا – لكن البلاد بحاجة إلى ثورة اقتصادية”!
وفي التفاصيل كتبت الصحيفة أنه “بعد النمو المطرد والارتفاع الكبير في مستوى المعيشة منذ وصول أردوغان إلى السلطة عام 2003، بدأ الاقتصاد التركي في التراجع العام الماضي، ويرى الخبراء أن عدم الاستقرار السياسي في البلاد سوف يعوق تنفيذ الإصلاحات الكبيرة اللازمة للحد من العجز وتقليل الاعتماد على المستثمرين الأجانب”.
واعترفت الصحيفة الصهيونية أن الانقلاب لم يكن يحظى بتأييد شعبي وأن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قام بإصلاحات اقتصادية ورفع مستوى معيشة المواطنين، مضيفة أنه “على الرغم من أن معظم مواطني تركيا لم يشاركوا في محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة، إلا أن الكثيرين في البلاد لا يؤيدون أردوغان ويخشون من محاولاته في التحول إلى ديكتاتور مستبد”.
وتابع التقرير العبري “ينسب الكثيرون في تركيا إلى أردوغان التحسن في مستوى معيشتهم منذ توليه السلطة عام 2003. ومنذ هذا التاريخ أصبح للبلاد اقتصادًا واعدًا، حيث بلغ ارتفع معدل النمو في الناتج المحلي إلي أكثر من 5% سنويًا، وزادت نسبة الطبقة المتوسطة في تركيا من ربع السكان في منتصف التسعينيات إلى 60% عام 2014. لقد تحسنت في تركيا بشكل كبير أنظمة الصحة والتعليم والمواصلات، كما شهدت المدن الكبيرة طفرة في الإعمالر والبناء”.
تبرئة الجناة
وبعد 4 أيام من الانقلاب الفاشل، تحديدا في 19 تموز/يوليو 2016، كانت محاولة صهيونية جديدة لتبرئة الجناة ممن خططوا للانقلاب، حتى قبل أن تنتهي نتائج التحقيقات التركية، فرأى المحلل السياسي الإسرائيلي “دان سيجال” في موقع منتدى التفكير الإقليمي العبري أن “ما ينسب إلى جماعة فتح الله غولن من تدبير محاولة الانقلاب ما هو إلا رغبة من أردوغان بالاطاحة بأكبر منافسيه”.
وأضاف سيجال أنه “من الصعب تحديد ما حدث وراء كواليس محاولة الانقلاب الفاشلة”.
ثم انتهى المحلل إلى نتيجة غريبة زعم أنها تسيطر على قدر كبير من وسائل الإعلام في العالم، قائلا “سواء في تركيا أو خارجها، يبدو من الساعات الأولى أنها مسرحية قام بها أردوغان ورجاله ليتخذوها ذريعة لتنفيذ عمليات تطهير بشكل أكبر في الجيش والقضاء والشرطة وأن أردوغان هو الرابح الأكبر من وراء محاولة الانقلاب، لتحقيق رغباته العظيمة من تغيير الدستور والنظام الرئاسي وإلحاق أضرار جسيمة بمنظمة غولن، لأن أردوغان هو العامل الأكثر ضررًا بالديمقراطية والحقوق المدنية في تركيا” حسب تعبيره.
نتيجة عكسية
بعد محاولة الانقلاب بثلاثة أيام وفي موقع “إسرائيل دفينس” وهو مختص بقضايا وأخبار الأمن والدفاع ، كتب العقيد المتقاعد شاؤول شاي، قائلا إن “محاولة الانقلاب الفاشلة تعزز مكانة أردوغان، وتزيل شرعية بعض منافسيه، وتمنحه فرصة تاريخية لاتخاذ سلسلة من الخطوات لتعزيز وضعه، ما هي إذن خصائص تركيا في اليوم التالي لمحاولة الانقلاب”.
وأضاف أن “محاولة الانقلاب الفاشلة والدعم الذي يتلقاه أردوغان من الداخل والخارج يسمحان له بتنفيذ سلسلة من الخطوات لتعزيز موقفه، تشمل هذه التحركات التطهير العميق للجيش من العناصر التي يُعتقد أنها تهدد حكمه، وزيادة سيطرته على وسائل الإعلام ، وإضعاف المعارضين السياسيين، هدف أردوغان هو تغيير النظام البرلماني الحالي في تركيا، إلى نظام رئاسي يمنحه سلطة أكبر مما يتمتع بها حاليا”.
ورأى مدعيا أن “فشل الانقلاب سيعطي أردوغان الفرصة لتنفيذ الفكر الشمولي والإضرار بالديمقراطية والحرية الفردية في الدولة”.
وتابع أنه “خلال سنوات حكمه كرئيس للوزراء قاد أردوغان اتجاهًا للتأكيد على الهوية الإسلامية لتركيا وأنها نموذج ممكن لقيام دولة إسلامية ديمقراطية”.
وخلاصة القول أن المتابعة الإسرائيلية لمحاولة الانقلاب الفاشل في تركيا اتسمت في بدايتها بتغطية إخبارية لا تخلو من شماتة وبعد فشل الانقلاب جاءت لتشكك في انتصار الشعب التركي وتركز على مزاعم مكاسب أردوغان في هزيمة معارضيه، وأنها كانت مسرحية مدبرة مسبقا، دون أي اشارة تذكر لعظمة الشعب التركي الذي رفض الانقياد لقوى الاستبداد والاستعمار، فجعل من انتصاره على الانقلاب بداية جديدة لتركيا الحديثة القوية المناهضة للاستبداد والناصرة للمستضعفين.
