
تعد معركة ملاذكرد واحدة من أهم المعارك في التاريخ الإسلامي شأنها شأن معركتي حطين وعين جالوت وغيرهما.
في 26 آب/أغسطس من كل عام يحتفل المسلمون عامة، والأتراك خاصة، بذكرى انتصار السلاجقة بقيادة السلطان ألب أرسلان على إمبراطور بيزنطة رومانوس الرابع بمعركة ملاذكرد (حاليا داخل حدود ولاية موش شرقي تركيا) وذلك عام 463 هـ/1071 م.
“اللهم أعل راية الإسلام وناصره وادحض الشرك بجب غاربه وقطع أواصره وامدد المجاهدين في سبيلك الذين في طاعتك بنفوسهم سمحوا وبمبايعتك مهجتهم فازوا وربحوا بالعون الذي يطول به باعهم وتملأ بالظفر والأمن رباعهم وأجب السلطان ألب أرسلان برهان أمير المؤمنين بالنصر الذي تستنير به أعلامه يستيسر مرامه. وأوله من التأييد الضاحكة مباسمه القائمة أسواقه ومواسمه ما يقوي إعزاز دينك يده ويقضي له بأن يشفع بيومه من الكفار غده واجعل جنوده بملائكتك معضودة وعزائمه على اليمين والتوفيق معقودة”.
بهذا الدعاء علت أصوات الخطباء على المنابر يوم الجمعة 26 آب/أغسطس 1071، في كل أنحاء العالم الإسلامي، بأمر الخليفة العباسي القائم بأمر الله.
التحضيرات للمعركة:
كان السلطان ألب أرسلان قد أعد جيشا كبيرا بنية التوجه إلى مصر لتخليصها من الفاطميين، في الطريق حاصر مدينة ديار بكر وسيطر عليها وأخضع أميرها نصر بن مروان ثم حاصر الرّها (مدينة شانلي أورفا حاليا) إلا أنه لم يستطع فتحها وتخليصها من البيزنطيين.
بعد ذلك توجه ألب أرسلان بجيشه إلى حلب وخلصها من حكم المرداسيين الموالين للدولة الفاطمية. ثم علم بأن أمبراطور الروم “رومانوس ديوجينيس” قد خرج بجيش جرار بهدف القضاء على دولة السلاجقة وإنهاء الوجود التركي شرقي الأناضول وإيران ومن ثم التوجه إلى بغداد.
على الفور، توجه ألب أرسلان نحو شرق الفرات حيث فقد في الطريق الكثير من الجنود والعتاد، كما أمر بتسريح معظم القوات التي كانت قد أنهكت ثم واصل السير بفئة قليلة معه إلى مدينة “خوي” في أذربيجان.
رأى ألب أرسلان أن انتظار وصول تعزيزات لن يكون لصالحه، فقرر أن يواجه جيش البيزنطيين الضخم بمن معه من الجنود.
يقول الأصفهاني في كتابه تاريخ آل سلجوق “..وبقي 15 ألف فارس من نخب رجاله ومع كل واحد فرس يركبه وآخر يجنبه والروم في ثلاثمائة ألف ويزيدون ما بين رومي وروسي وغزي وقفجاقي وكرجي وأبخازي وخرزي وفرنجي وأرمني. ورأي السلطان أنه ان تمهل لحشد الجموع ذهب الوقت وعظم بلاء البلاد وثقلت أعباء العباد فركب في نخبته وتوجه في عصبته وقال: أنا احتسب عند الله نفسي وأن سعدت بالشهادة ففي حواصل الطيور الخضر من حواصل النسور الغبر رمسي. وإن نصرت فما أسعدني وأنا أمسي ويومي خير من أمسي..”.
انزعج البيزنطيون كثيرا من تحركات وفتوحات السلاجقة بقيادة ألب أرسلان شرقي وجنوب شرقي الأناضول، فقرر الأمبراطور رومانوس الرابع الخروج بجيش جرار يقضي فيه على السلاجقة ويأمن حدود أمبراطوريته.
كما كان الأمبراطور الذي تولى الحكم حديثاً بحاجة إلى نجاح ونصر كبير يثبت به نفسه كإمبراطور ويؤكد شرعيته.
فبالرغم من كونه قائدا ومحاربا ومن أسرة عريقة إلا أنه لم يكن ينحدر من السلالة الحاكمة بل توج أمبراطورا بعد زواجه من الأمبراطورة ايدوكيا مكرمبولتيسا، أرملة الإمبراطور قسطنطين العاشر دوكاس.
اختلف المؤرخون في تحديد عدد أفراد الجيش البيزنطي فمنهم من ذكر أن جيش الأمبراطور كان يضم 200 ألف جندي، ومنهم من قالوا أنهم كانوا 300 ألف.
يصف صدر الدين أبو الحسن علي في “أخبار الدولة السلجوقية” ضخامة الجيش البزنطي قائلاً فقرع سمعه أن ملك الروم قد فوض أحد أبناء الملوك لإدارة الإمبراطورية وخرج هو على رأس جيش يربو على ثلاثمئة ألف فارس وراجل. ورمت الروم إلى السلطان أفلاذ كبدها وأخرجت الأرض أثقالها من عديدها وعددها واجتمع على هذا الملك من أوباش الروم والأرمن والروس والجناك والغز والفرنج أقوام أطالت الفتن بهم سواعدها وأعلت النصرانية باجتماعهم قواعدها وحلفوا على أنهم يزعجون الخليفة ويقيمون مقامه الجاثليق ويخربون المساجد..”.
سير المعركة:
وصل السلطان بجنوده وأمبراطور بيزنطة معسكرا في مكان يعرف بالرهوة بين أخلاط وملاذكرد.
أرسل ألب ارسلان للأمبراطور رسولاً يعرض عليه الهدنة فكان رد الإمبراطور “إني قد أنفقت الأموال وجمعت العساكر الكثيرة للوصول إلى مثل هذه الحالة فإذا ظفرت بها فكيف أتركها؟ هيهات لا هدنة إلا في الري (عاصمة السلاجقة) ولا رجوع إلا أن أفعل ببلاد الإسلام ما مثل ما فعل ببلاد الروم”.
غضب السلطان ألب أرسلان من رد الأمبراطور رومانوس ورفضه الهدنة وبدا عليه الانزعاج فهدأه شيخه أبو نصر محمد بن عبد الملك البخاري الحنفي قائلاً “إنك تقاتل عن دين وعدَ الله بنصره وإظهاره على سائر الأديان، وأرجو أن يكون الله تعالى قد كتبَ باسمك هذا الفتح، فالقهم يوم الجمعة بعد الزوال بالساعة التي تكون الخطباء على المنابر فإنهم يدعون للمجاهدين بالنصر، والدعاء مقرون بالإجابة”.
وبعد أن أم السلطان جنوده بصلاة الجمعة ولبس لباسه الأبيض وعقد ذيل فرسه بنفسه خطب بالجنود قائلاً “نحن مع القوم تحت الناقص وأريد أن أطرح نفسي عليهم في في هذه الساعة التي يدعى فيها لنا وللمسلمين على المنابر، فإما أن أبلغ الغرض وإما أن أمضي شهيداً إلى الجنة، فمن أحب أن يتبعني منكم فليتبعني ومن أحب أن ينصرف فليمض مصاحباً عني فما هاهنا سلطان يأمر ولا عسكر يؤمر فإنما أنا اليوم واحد منكم وغاز معكم..”.
والتقى الجمعان ودارت بينهما حرب ضروس استمرت حتى زوال الشمس وكان السلطان ألب أرسلان في مقدمة الصفوف يقاتل بكل جسارة.
وأثناء المعركة نفذ السلاجقة التكتيك التركي الشهير في الحروب، وتظاهروا بأنهم ينسحبون، بينما كان قد أمر السلطان مجموعات أخرى من الجنود بالاختباء في مواقع على مسافة قريبة من ميدان المعركة.
ظن الجيش البيزنطي أن السلاجقة يتقهقرون من المعركة، فأخذوا يتبعونهم لمسافة طويلة إلا أنهم لم يتمكنوا من اللحاق بهم نظرا لكثرة عتادهم وثقل دروعهم بينما كان الفرسان الأتراك أخف وزناً وحركة.
وبعد مدة قصيرة بدأت مجموعات الجنود المختبئة تحيط بالبيزنطينيين من الخلف بشكل يشبه الهلال بعد أن أمطروهم بوابل من السهام فقتل منهم الآلاف.
وهكذا أحاط السلاجقة بقلب الجيش البيزنطي بقيادة رومانوس وعزلوه عن باقي الجيش.
ثم غير الفرسان الذين كانوا يتظاهرون بالانسحاب اتجاههم وعادوا لمواجهة الجيش البيزنطي وبدأ السلاجقة بإبادة جيش الأمبراطور رومانوس.
وقبل أن تغرب الشمس كان السلاجقة قد حققوا نصرا مبينا على الجيش البيزنطي، وقتلوا معظمهم وفر الباقي.
كما تم أسر الأمبراطور من قبل أحد الغلمان وتم سوقه إلى خيمة السلطان ألب أرسلان.
قام السلطان ألب أرسلان بتوبيخ الأمبراطور وضربه بيده ثلاث مقارع لعدم قبوله الهدنة وإصراره على قتال المسلمين.
واستقر الأمر على أن يفدي الأمبراطور نفسه بألف ألف دينار و500 ألف دينار، وأن يرسل عساكر الروم للسلطان في أي وقت يطلبها، وأن يطلق كل أسير في بلاد الروم.
بعد أن تلقى البيزنطيون خبر هزيمة أمبراطورهم، وقع ضده وهو في الأسر انقلاب أطاح به من العرش.
ولم يتمكن رومانوس من الإيفاء بعهده للسلطان ولم يستطع أن يرسل سوى مئتي ألف دينار وطبق من ذهب مرصع بالجواهر.
احتُجز رومانوس فترة وعندما أُطلق سراحه حاول استرجاع عرشه فهزمته جيوش أسرة دوكاس وأُسر.
وفي سنة 1072 سُملت عيناه واحتُجز في دير، حيث مات متأثرًا بجراحه.
بشرى النصر وخطاب الخليفة العباسي للسلطان ألب أرسلان:
انتشر نبأ انتصار المسلمين السلاجقة على الجيش البيزنطي في كل أنحاء العالم الإسلامي، فأرسل الخليفة القائم بأمر الله خطابا للسلطان ألب أرسلان يهنئه فيه بذلك النصر العظيم قال فيه “الولد السيد الأجل المؤيد المنصور المظفر السلطان الأعظم ملك العرب والعجم وسيد ملوك الأمم ضياء الدين غياث المسلمين ظهير الإمام كهف الأنام عضد الدولة القاهرة تاج الملة الباهرة سلطان ديار المسلمين برهان أمير المؤنين حرس الله تمهيده وجعل من الخيرات مزيده.”.







