نشأة أمريكا
من المعلوم أن الإسبان هم أول من وصل إلى أمريكا مع “كريستوفر كولومبوس”، فاستطاعوا الوصول إلى أجزاء كبيرة من الولايات الأمريكية مثل كبورتوريكو، وولاية فلوريدا، وجبال الأبلاش، ونهر المسيسيبي، وجراند كانيون، والسهول الكبرى، واستطاع “هيرناندو دي سوتو” أحد البحارة من فريق “كولومبوس”، من الوصول إلى مناطق واسعة من الأجزاء الجنوبية الشرقية للبلاد.
فيما بعد تعرف العالم على وجود قطعة جغرافية جديدة على كوكب الأرض، وكان للفرنسيين والهولنديين دور كبير في نشر ثقافة هذا البلد من خلال بناء الكنائس فيها، وكانت حينها محتلة من قبل بريطانيا، ونتيجة لوجود الخلافات الدائمة بينهما أدى إلى قيام شعبها بحرب استقلال ضد الجيش البريطاني في أواخر القرن الثامن عشر، واستمرت الحرب بينهما من عام 1775 حتى عام 1781، وعقد المؤتمر القاري الثاني في الرابع عشر من حزيران/يونيو 1775 في ولاية فيلادلفيا، وعُيّن جورج بوش قائدا عاما للجيش القاري الذي أسّسته أمريكا وتدخل جيشها في بلدان أخرى لفترة طويلة.
ففي عام 1898، استولى عسكريا على الفلبين وكوبا وبورتوريكو التي كانت تحت الحكم الإسباني، وتورط في الفترة الممتدة من عام 1917 وحتى 1918 في الحرب العالمية الأولى بأوروبا، وفي النصف الأول من القرن العشرين، أُرسلت قوات المشاة البحرية مرارا إلى “محميات” مثل نيكاراغوا وهندوراس وبنما وهايتي وجمهورية الدومينيكان، وكل هذه التدخلات خدمت بشكل مباشر مصالح الشركات، ومن هنا تبدأ قصتنا مع هذه الإمبراطورية.
بداية هيمنة واشنطن عسكريا على العالم
تمكن الأمريكان في بداية تصاعدهم العسكري من الهيمنة على العالم من خلال أذرعها العسكرية والاقتصادية والأمنية والفكرية والإعلامية، وفرضت قواعد اللعبة عسكريا على الدول التي خسرت في الحرب العالمية الثانية التي بدأت عام 1939 وامتدت حتى 1945، وألقت الطائرة الأمريكية “B 29” قنبلة نووية في 9 آب/أغسطس 1945، على مدينة “نجازاكي” اليابانية فكانت ضربة قاضية لهذه الأمبراطورية، واستسلمت على الفور رافعة يديها طالبة السلام والرضوخ، وأنهت من خلالها الحرب العالمية الثانية لصالح الحلفاء، فكانت الخطوة الأولى لنشر الرعب في أصقاع الارض، ورسالة حاسمة للجميع مفادها إياكم أن تقفوا في وجهنا من الآن فصاعدا.
الأذرع العسكرية لواشنطن في العالم
تمتلك واشنطن 38 قاعدة عسكرية حول العالم، وفرضت من خلالها هيمنتها عسكريا على القارات السبع، وأكبر القواعد العسكرية الأمريكية في العالم من حيث عدد الأفراد في مدينة “رامشتين إيه بي” الألمانية، وتضم 9200 شخص، وانشأت جميع قواعدها بعد الحرب العالمية الثانية ومنها في تركيا، واستراليا، والصين، وألمانيا، واليونان، وفرنسا، والهند، وإيطاليا، واليابان، وباكستان، وروسيا.
التدخلات الخارجية عسكريا
بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001، بدأت واشنطن بتغيير قواعد اللعبة، فكانت بداية لإعلان الحرب على الإرهاب في أعقاب الهجمات مباشرة، وكانت إدارة بوش نصبت عينيها على “أسامة بن لادن” كهدف مباشر، وإحضار جميع قيادات القاعدة إلى العدالة ومنع ظهور شبكات إرهابية أخرى، وكانت عينها الأخرى على الرئيس العراقي “صدام حسين” الذي على ما يبدو انتهى مهمته في المنطقة، وجعله الهدف الثاني بعد القضاء على القاعدة.
التدخل العسكري في العراق
قامت إدارة بوش بتوريط صدام حسين في الكويت، وأمر مساعديه بوضع خطط لضرب النظام العراقي، وغزو هذا البلد عام 2003، فكانت بمثابة ثاني أكبر عملية عسكرية بعد الحرب العالمية الثانية خارج الولايات المتحدة، وأكبر العمليات المرتبطة مباشرة بالإرهاب للإطاحة بحكم طالبان في أفغانستان.
التدخل الأمريكي في سوريا
أعلنت الولايات المتحدة الحرب على تنظيم “داعش” الإرهابي، من خلال تحالف دولي شكلته لمحاربة هذا التنظيم بعد أن وضعته ضمن خانة التنظيمات الإرهابية، وشنت أولى ضرباتها الجوية في سوريا في 23 أيلول/سبتمبر 2014، اننطلاقاً من مدينة (عين العرب/كوباني) بمساعدة حلفائها، لتكون أول خطوة لواشنطن على الأرض في النزاع الذي انفجر عام 2011.
ثم نشرت واشنطن 2000 جندي في سوريا، بأمر من الرئيس السابق باراك أوباما مع مطالبته الدائمة بفرض عقوبات اقتصادية على العديد من المسؤولين التابعين للنظام السوري، ودون إيجاد حل جذري وشامل في سوريا.
ومع وصول دونالد ترامب الى سدة الحكم عام 2017، تحول إلى حصان طروادة “للمتدينين الإنجيليين”محاولا سحب قوات بلاده من سوريا ،وتلقى ذلك ردود أفعال غاضبة من أعضاء الكونغرس والبيت الأبيض فتراجع نسبياً ، وتحالف مع “قوات سوريا الديمقراطية” لطرد تنظيم “داعش” الإرهابي من شمال شرقي سوريا، بما في ذلك الرقة وغالبية محافظة دير الزور.
وتمكن هذا التحالف في آذار/مارس 2019 من إعلان الانتصار على “داعش” الإرهابي من آخر معاقله في بلدة الباغوز السورية ،بينما ترك سوريا بؤرة للصراعات المتداخلة عبر إنشاء مراكز توازن القوة على الأرض لإدارة الازمة، وتجنب البحث عن الحلول السياسية لوقف النزيف و قصف المدنيين وإعادة الملايين إلى قراهم وبلداتهم.
ومن هنا بدأ استياء شعوب العالم من سياسة واشنطن الخارجية الفاشلة، وتحديداً في سوريا، فاستغلها رجل الاستخبارات الذي يتمتع بذكاء واستغلال الفرص وهو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث تدخل عسكريا في سوريا ، وبدأ سلاحه الجوي بقصف مواقع المعارضة السورية المسلحة بتاريخ 30 أيلول/سبتمبر 2015، فكانت بداية لتعاظم الدور الروسي في الشرق الأوسط على حساب تراجع الدور الأمريكي، حيث وقفت روسيا بمقاتلاتها ووحداتها من القوات الخاصة، وجنود مرتزقة إلى جانب النظام السوري، ليستعيد السيطرة على مساحات كبيرة من الأراضي السورية.
واستمر الفشل الأمريكي الخارجي في العراق وأفغانستان، والعديد من دول العالم من خلال إثارة الأزمات فيها لفرض إجنداتها ، وعدم مراعاة مصالحها الاقتصادية والإستراتيجية، بالإضافة إلى التهرب من فرض الأمن والاستقرار في الدول التي تدخلت في شؤونها الداخلية عسكريا واقتصاديا، وتأكيداً على ذلك نشر “دانيال ديفيس” وهو ضابط أمريكي متقاعد متخصص في قضايا الأمن القومي الأمريكي في مقال نشرته مجلة “ناشيونال إنترست” الأمريكية، يوم الجمعة 12 يناير/كانون الثاني 2020، عن أن الولايات المتحدة الأمريكية تواجه فشل استراتيجي في الشرق الأوسط، وتسير بعض الأمور في الاتجاه الخاطئ بطريقة غير محسوسة، مؤكدا أن قرارات واشنطن العسكرية في أفغانستان والعراق وسوريا تهدد بالوصول إلى مرحلة الفشل الاستراتيجي في المستقبل.
فشل أمريكي ذريع في حماية العالم من وباء “كورونا”
مع بدء انتشار هذا الوباء على وجه الأرض بقيت واشنطن متفرجة حتى وصلتها لعنة كورونا لتتحول بين ليلة وضحاها إلى أكبر دولة متضررة من انتشاره، حيث أعلن ترمب على الفور تخصيص 2 تريليون دولار، لمواجهة العواقب الاقتصادية للفيروس، وارتفع عدد الأمريكيين الذين تقدموا بطلبات للحصول على إعانة بطالة بعد انتشار هذا الوباء إلى مستوى قياسي بلغ 3.3 مليون شخص.
ونتيجة لسياستها الفاشلة في أصقاع الأرض وعدم التعامل بجدية وبشكل حاسم لحل الأزمات التي تواجه دول العالم الثالث، سرعان ما وجدت نفسها ضحية لانتشار “كورونا”، وتصدرت جميع دول العالم، في عدد الإصابات المؤكدة بفيروس “كورونا” حتى مساء الجمعة 27 آذار/مارس الماضي، إلى أكثر من 100 ألف حالة إصابة، وحسب CNN فإن عدد الإصابات تجاوزت 402 ألف، و الوفيات قرابة الـ 20 ألف بسبب فيروس “كورونا”، وذلك في عموم البلاد.
من هنا ومن حق أي مواطن على هذا الكوكب أن يتساءل: هل بدأت أمريكا تدفع فاتورة فشلها في قيادة العالم؟
