
مع تصاعد التوتر بين إيران من جهة، والاحتلال الإسرائيلي والولايات المتحدة من جهة أخرى، تجد تركيا نفسها في قلب معادلة إقليمية معقدة، إذ تتعامل مع تبعات حرب محتملة على حدودها وخارجها، مع الحرص على حماية مصالحها القومية والدبلوماسية والاقتصادية.
ويشير محللون إلى أن تركيا وضعت لنفسها ثلاثة أهداف رئيسية: تجنب الانخراط المباشر في الصراع، تحصين نفسها من تداعيات الحرب، واستخدام الدبلوماسية لإنهائها قبل اتساع نطاقها.
تجنب الانخراط وحماية المصالح
يؤكد المحللون أن استراتيجية إيران في نشر الحرب إلى الخليج والمنطقة تخدم أهداف تل أبيب وواشنطن أكثر مما تشكل ضغطاً على تركيا.
ويرى الخبراء أن الحرب في إيران تمثل اختباراً صعباً للخليج وتركيا، وأولويتهم هي مقاومة الضغوط للانخراط في الصراع، لكونه لا يتقاطع مع مصالح تركيا والدول الإقليمية الأخرى، وأن التوسع الإيراني المحتمل قد يؤدي بنتائج عكسية على طهران نفسها.
الاستراتيجية التركية متعددة الأبعاد
وقالت المحللة السياسية عائدة بن عمر في حديثها لـ”وكالة أنباء تركيا”، إن “تركيا تتبنى استراتيجية التموضع المتعدد الأبعاد لإدارة زلزال جيوسياسي يضرب كل حدودها، وتبدو الأولوية القصوى اليوم للحد من تبعات الحرب الإيرانية ومنع عرقنة طهران، وسيناريو تدفق ملايين اللاجئين الذي يمكن أن يشكل ضغطاً ديموغرافياً وسياسياً على الانتخابات المقبلة”.
وتتابع بن عمر شرح أولويات تركيا حسب المناطق:
- شرقا: تحصين العمق السوري والعراقي لمنع انتعاش أي كانتونات انفصالية أو تمدد صهيوني محتمل.
- شمالاً: في أذربيجان، تسعى تركيا لقطف ثمار “النصر المشترك”، وضمان سيادة “الممر الأوسط” والحفاظ على ممر نزجيزور الحيوي، رغم الاحتكاك المتزايد مع روسيا وإسرائيل.
- أفريقيا: ليبيا والساحل الأفريقي، خاصة مالي وصولاً إلى الصومال، تمثل تحدياً استراتيجياً، حيث تحاول تركيا الدخول كبديل أمني واستراتيجي للقوى التقليدية مثل فرنسا، لكنها تواجه منافسة شديدة من روسيا، وفق تعبيرها.
أولويات تركيا غير التقليدية
تواجه أنقرة اليوم محاور غير تقليدية تشمل:
- ترتيب البيت الداخلي وتقوية الجبهة الداخلية لتكون مستعدة لتحمل أي تبعات للتوسع الأممي أو الصراعات الإقليمية.
- الحفاظ على وحدة الجغرافيا المجاورة وتهيئة عمق سني مستقر، مع منع استغلال الفراغ الإيراني لمصلحة إسرائيل، واستثمار الشتات السوري كعنصر ديمغرافي واستراتيجي.
- تثبيت الوضع في أذربيجان لضمان استمرار الممر الأوسط الحيوي وتجنب أي اختراق أجنبي في المنطقة.
- المحاور الأفريقية وتحويلها إلى أوراق ضغط استراتيجية تمنح تركيا القدرة على لعب أدوار قوة إقليمية وعالمية في المستقبل.
الأمن القومي والتحالفات الإقليمية
وأشار الباحث في الشأن السياسي والعسكري رشيد حوراني، في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إلى أن تركيا تسعى للاستفادة من الحرب مع الحفاظ على أمنها القومي أولاً وعدم السماح للصراع بأن يكون بوابة لزعزعة استقرارها.
وأوضح حوراني أن “التراجع الأمريكي الأخير عن دعم الأكراد في إيران يعكس دوراً تركيا غير معلن، إذ يشبه هذا السيناريو تعامل أمريكا مع قسد في سوريا، حيث بقيت تركيا خلف الكواليس حتى تم حل الأزمة”.
وأضاف أن “تركيا سبقت غيرها في الانتباه لخطر التوسع الإسرائيلي ومحاولاته الهيمنة على المنطقة منذ أكثر من عامين، وتسعى لمنع إسرائيل من تحقيق أهدافها”.
وأشار الباحث إلى أن “أنقرة تعمل على تشكيل تحالف إقليمي متجانس عقائدياً من خلال اتصالات سياسية وعسكرية مع السعودية وباكستان وإندونيسيا، لتعزيز موقفها في مواجهة أي تهديدات”.
التوازنات الإقليمية والدور التركي
تأتي الخطوات التركية في وقت يشهد تصاعداً في التهديدات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران، وتحركات إيران العسكرية في الخليج، ومحاولات الاحتلال الإسرائيلي تعزيز نفوذها في سوريا والعراق، مع استمرار التدخلات الروسية في الملفات الإقليمية.
ويشير مراقبون إلى أن استراتيجية أنقرة المتعددة الأبعاد، بين التحصين العسكري والدبلوماسي والسياسي، تهدف إلى الحفاظ على التوازن الإقليمي ومنع أي تصعيد قد يهدد استقرارها الداخلي ومصالحها في المحيط الإقليمي.
في المحصلة، يبدو أن تركيا تقف عند مفترق طرق دقيق، حيث تجمع بين أولويات الأمن الداخلي، واستقرار جيرانها المباشرين، وحماية مصالحها في مناطق النفوذ الاستراتيجي، مع الاستعداد للعب دور دبلوماسي نشط لتقليص تبعات الحرب الإيرانية، ما يجعلها لاعباً رئيسياً في مسار الصراع الإيراني-الإسرائيلي-الأمريكي، وقدرة أنقرة على إدارة هذا المشهد المعقد ستحدد مستقبل دورها كقوة إقليمية قادرة على فرض التوازنات بين اللاعبين الكبار في الشرق الأوسط.







