تقاريرهام

هرمز يرفع أسهم أنقرة.. تركيا تتحول إلى قلب الطاقة بين الشرق والغرب (تقرير)

مع تصاعد التوترات الأمنية حول مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لنقل النفط والغاز في العالم، عادت قضية أمن الطاقة إلى صدارة الأجندة الدولية، وسط مخاوف متزايدة من أي اضطراب قد يهدد تدفقات الخام والغاز نحو الأسواق العالمية.

وفي خضم هذه التحولات، تبرز تركيا باعتبارها أحد أبرز المستفيدين من إعادة رسم خريطة الطاقة العالمية، مستندة إلى موقعها الجغرافي الاستراتيجي وشبكة واسعة من خطوط الأنابيب ومشاريع الربط الإقليمي التي تربط بين آسيا وأوروبا.

فكلما ارتفعت المخاطر في الخليج العربي وتزايدت احتمالات تعطل الملاحة عبر مضيق هرمز، تتجه الأنظار نحو البدائل البرية والآمنة لنقل الطاقة، وهو ما يمنح تركيا وزناً متزايداً في معادلة الإمدادات الدولية، خاصة أنها أصبحت خلال السنوات الأخيرة مركزاً رئيسياً لعبور النفط والغاز نحو الأسواق الأوروبية.

ويأتي ذلك في وقت تواصل فيه أنقرة تنفيذ استراتيجية طموحة تهدف إلى التحول من دولة مستوردة للطاقة إلى مركز إقليمي متكامل للتجارة والنقل والتخزين والإنتاج، مدعوماً باستثمارات ضخمة في البنية التحتية والطاقة المتجددة والغاز الطبيعي والطاقة النووية.

وتحتل منشآت الطاقة التركية موقعاً محورياً في هذه الاستراتيجية، وعلى رأسها ميناء جيهان المطل على البحر المتوسط، الذي يعد أحد أهم موانئ تصدير النفط في المنطقة.

ويستقبل الميناء الخام القادم عبر خط باكو – تبليسي – جيهان الممتد من أذربيجان إلى السواحل التركية، إضافة إلى خط النفط العراقي – التركي الذي يربط حقول شمال العراق بالأسواق العالمية عبر الأراضي التركية.

أما في قطاع الغاز الطبيعي، فتشكل مشاريع “تاناب” و”تاب” العمود الفقري لما يعرف بالممر الجنوبي للغاز، الذي ينقل الغاز الأذربيجاني إلى أوروبا عبر تركيا.

ويبلغ طول خط “تاناب” نحو 1811 كيلومتراً داخل الأراضي التركية، ويمر عبر 20 ولاية قبل اتصاله بخط “تاب” المتجه إلى أوروبا، ما جعله أحد أهم المشاريع الاستراتيجية لتعزيز أمن الطاقة الأوروبي وتنويع مصادر الإمدادات بعيداً عن المسارات التقليدية.

وتكتسب هذه الخطوط أهمية أكبر في ظل سعي أوروبا المستمر لتقليل المخاطر المرتبطة بالإمدادات التقليدية، وهو ما دفع أنقرة إلى توسيع دورها ليس فقط كممر للغاز، بل أيضاً كمركز لتبادل الطاقة وإعادة توزيعها على الأسواق الإقليمية.

وفي مؤشر جديد على هذا التوجه، أعلن وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي ألب أرسلان بيرقدار، خلال فعاليات “أسبوع باكو للطاقة”، عن مشروع لإنشاء ممر كهربائي إقليمي يشبه نموذج “تاناب”، يربط تركيا وأذربيجان وجورجيا وبلغاريا ودول جنوب شرق أوروبا، في خطوة تهدف إلى نقل الكهرباء والطاقة الخضراء عبر الحدود وتعزيز التكامل الإقليمي في قطاع الطاقة.

كما كشف عن خطة تركية لتحديث شبكات الكهرباء بقيمة تصل إلى 30 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة لاستيعاب الإنتاج المتزايد من مصادر الطاقة المتجددة والطاقة النووية.

وتعكس هذه المشاريع تحولاً نوعياً في رؤية أنقرة للطاقة، حيث لم تعد تقتصر على نقل النفط والغاز فقط، بل باتت تستعد لتكون محوراً رئيسياً لتجارة الكهرباء والطاقة النظيفة في المنطقة.

وفي موازاة ذلك، تواصل تركيا تعزيز قدراتها الذاتية في إنتاج الطاقة. فبعد اكتشافات الغاز الكبرى في حقل صقاريا بالبحر الأسود، أعلنت وزارة الطاقة أن الإنتاج اليومي من الغاز المحلي وصل إلى نحو 10 ملايين متر مكعب، وهو ما يكفي لتلبية احتياجات نحو 4 ملايين منزل.

وتستهدف أنقرة مضاعفة هذا الرقم خلال عام 2026 ليغطي احتياجات 8 ملايين منزل، مع خطط مستقبلية لرفع الإنتاج إلى مستويات أكبر خلال السنوات المقبلة.

ويعتبر هذا التحول مهماً بالنسبة لتركيا التي اعتمدت لعقود على استيراد الجزء الأكبر من احتياجاتها من الطاقة، إذ تمنحها الاكتشافات الجديدة هامشاً أكبر من الاستقلالية وتزيد من قدرتها على لعب دور إقليمي مؤثر في تجارة الغاز.

كما استثمرت أنقرة بكثافة في بناء أسطول وطني للتنقيب في المياه العميقة، ما جعلها من بين الدول القليلة القادرة على تنفيذ عمليات الحفر والإنتاج البحري عبر شركاتها الوطنية، وهو ما يعزز مكانتها في سوق الطاقة الإقليمية ويمنحها أدوات إضافية في إدارة ملفات الطاقة المستقبلية.

وفي الجانب المتعلق بالطاقة المتجددة، تسارع تركيا خطواتها نحو التحول الأخضر عبر مشاريع واستثمارات بمليارات الدولارات.

وتشير البيانات الرسمية إلى توقيع اتفاقيات ضخمة مع شركات دولية لتطوير محطات طاقة شمسية ورياح بقدرات تصل إلى 5 آلاف ميغاواط، إضافة إلى مشاريع جديدة لتوسيع البنية التحتية للطاقة النظيفة داخل البلاد.

وتأتي هذه الخطوات بالتزامن مع إعلان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن حزمة استثمارات ضخمة في قطاع الطاقة المتجددة قُدرت بنحو 6 مليارات دولار، في خطوة تعكس توجه الدولة نحو بناء منظومة طاقة متكاملة تجمع بين مصادر الطاقة التقليدية والمتجددة.

وخلال أيام قليلة فقط، شهد قطاع الطاقة التركي سلسلة من التحركات اللافتة، شملت الإعلان عن مشروع خط غاز إلى شمال قبرص بطول 97 كيلومتراً، وتطوير مشاريع مرتبطة ببنية الطاقة التابعة لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى جانب توسع شركة البترول التركية “TPAO” في حقول الطاقة بكازاخستان، فضلاً عن مشاريع الطاقة المتجددة الجديدة.

ويرى مراقبون أن أهمية تركيا في المرحلة الحالية لا تنبع فقط من حجم مشاريعها أو قدراتها الإنتاجية، بل من موقعها الجغرافي الفريد الذي يجعلها نقطة التقاء بين المنتجين في آسيا والشرق الأوسط والقوقاز من جهة، والمستهلكين في أوروبا من جهة أخرى.

ومع كل أزمة تهدد طرق الطاقة التقليدية، سواء في مضيق هرمز أو غيره من الممرات الحيوية، يزداد الاعتماد على البدائل البرية وشبكات الأنابيب العابرة للحدود، وهو ما يضع تركيا في قلب المشهد الجيوسياسي للطاقة.

وبينما تتسابق الدول الكبرى لتأمين احتياجاتها من النفط والغاز والكهرباء، تبدو أنقرة اليوم أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق هدفها القديم بالتحول إلى مركز إقليمي للطاقة، مستفيدة من موقعها الجغرافي واستثماراتها الضخمة وشبكات الربط التي تمتد من البحر الأسود والقوقاز شرقاً إلى أوروبا والبحر المتوسط غرباً.

وفي ظل استمرار الضبابية التي تحيط بمستقبل أمن الطاقة العالمي، تبدو تركيا واحدة من أكثر الدول المرشحة لتعزيز نفوذها الاقتصادي والسياسي، باعتبارها جسراً حيوياً يربط بين مصادر الإنتاج وأسواق الاستهلاك، ومركزاً متنامياً لإدارة تدفقات الطاقة في منطقة تشهد تحولات متسارعة.

زر الذهاب إلى الأعلى