
لم تكن الدبلوماسية التركية يوماً مجرد بروتوكولات سياسية مغلقة أو صفقات اقتصادية عابرة، بل برهنت أنقرة مراراً على أن بوابتها الأولى نحو محيطها العربي والإسلامي هي “الدبلوماسية الإنسانية” التي تلامس آلام الشعوب المستضعفة وتضمد جراحها، لتفتح بها قلوب الملايين وتؤسس لروابط أخوة تتجاوز الحدود الجغرافية.
وتتجلى هذه الفلسفة الإنسانية بوضوح في بنغلاديش، التي تحولت إلى نموذج حي لالتزام تركيا الأخراقي تجاه قضايا الأمة الإسلامية. فمنذ تفاقم مأساة مسلمي الروهينغيا الفارّين من الاضطهاد، كانت تركيا في مقدمة الدول التي سخرت إمكاناتها الإغاثية والسياسية لنصرتهم، وهو ما تجسد مؤخراً في الزيارة البارزة لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى بنغلاديش، وتفقده الميداني المباشر للاجئي الروهينغيا في مخيمات “كوكس بازار”؛ حيث عكست الزيارة حرص تركيا على إبقاء هذه القضية المنسية حية في الضمير العالمي، مواصلةً تقديم الدعم الإغاثي والطبي والتعليمي عبر مؤسساتها الرسمية كوكالة “تيكا” والهلال الأحمر التركي.
إن هذا التناغم الفريد بين العمل الرسمي والشعبي هو السر الحقيقي وراء نجاح القوة الناعمة لتركيا في العالم الإسلامي؛ فالأمر لا يقتصر على التحركات الحكومية، بل يمتد إلى الرموز المجتمعية والرياضية التي تمتلك تأثيراً عابراً للقارات.
ولعل الزيارات الإنسانية السابقة لشخصيات بارزة مثل بلال أردوغان، برفقة النجم الكروي العالمي مسعود أوزيل، قد تركت أثراً بالغاً في نفوس البسطاء والمحتاجين، ورسمت صورة مشرقة للتكافل الإسلامي الذي يتجاوز الشعارات إلى ملامسة واقع المعوزين ودعم صمودهم.
تركيا تثبت من خلال نموذج بنغلاديش ومخيمات اللجوء فيها، ومن قبلها مواقفها المتضامنة مع قضايا العالم العربي، وفي مقدمتها فلسطين وتحديدا غزة التي تعرضت لجرائم على يد الاحتلال الإسرائيلي، أن الريادة الحقيقية تُبنى بالبذل والعطاء والوقوف الشجاع مع المظلومين، وأن أصدق تأشيرة لدخول قلوب الشعوب هي تلك التي تُكتب بمداد الإنسانية والأخوة والمصير المشترك.





