
الشرع في العاصمة التركية أنقرة.. سوريا من الهامش إلى قلب الطاولة الدولية (مقال)
لا يأتي حضور الرئيس أحمد الشرع إلى العاصمة التركية أنقرة، ولا لقاؤه المرتقب مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب على هامش قمة حلف شمال الأطلسي “ناتو”، كحدث بروتوكولي عابر، ولا كصورة دبلوماسية تُلتقط في ممرات القمم؛ بل يأتي بوصفه عنواناً لتحول استراتيجي كبير في موقع سوريا، وفي طريقة قراءة واشنطن والغرب للشرق الأوسط الجديد.
ففي أنقرة، العاصمة التي تعرف معنى التوازنات الكبرى، تبدو سوريا اليوم وكأنها تنتقل من موقع الدولة التي كان يُبحث مصيرها على طاولات الآخرين، إلى موقع الدولة التي تجلس على الطاولة لتقول كلمتها، وتعيد تعريف حضورها، وحدود مصالحها، ودورها في أمن المنطقة واستقرارها من خلال مايلي:
أولاً: أنقرة بوابة العودة السورية.. والتحالف الاستراتيجي مع تركيا
إن اختيار أنقرة كساحة لهذا التحول ليس تفصيلاً سياسياً عابراً. فتركيا اليوم ليست دولة جوار فقط، بل قوة إقليمية كبرى، وعضو أساسي في حلف الناتو، ولاعب محوري في ملفات الأمن، والطاقة، والحدود، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، وإعادة بناء التوازن الإقليمي.
ومن هنا، فإن التحالف الاستراتيجي السوري ـ التركي يشكل ركيزة ضرورية لسوريا الجديدة؛ لأنه تحالف تفرضه الجغرافيا، وتحميه المصالح، وتدعمه الحاجة المشتركة إلى حدود آمنة، واقتصاد متكامل، وأمن إقليمي مستقر.
فسوريا لا تستطيع أن تعبر إلى موقعها الدولي الجديد من دون تفاهم عميق مع تركيا، وتركيا لا تستطيع أن تبني عمقاً إقليمياً آمناً ومستقراً من دون سوريا قوية موحدة ذات مؤسسات.
ولذلك فإن أنقرة ليست مجرد مكان للقاء، بل رسالة سياسية واضحة:
أن الطريق إلى الشرق الأوسط الجديد يمر عبر تفاهم سوري ـ تركي ناضج، يحفظ السيادة، ويصون المصالح، ويمنع الفوضى، ويقطع الطريق على الإرهاب والميليشيات والمشاريع العابرة للحدود.
ثانياً: سوريا تعود من موقع الملف إلى موقع الفاعل وليس المفعول به
لقد ظلت سوريا لسنوات طويلة تُعامل كملف أمني أو إنساني أو تفاوضي، تُناقَش أزماتها في الغرف المغلقة، وتُرسم خرائطها على طاولات الآخرين. أما اليوم، فإن حضور دمشق في أنقرة يعني أن سوريا لم تعد موضوعاً للنقاش فقط، بل أصبحت طرفاً في صناعة النقاش ذاته.
والفرق كبير بين دولة يُبحث مصيرها بغيابها، ودولة تحضر لتفاوض على دورها، وسيادتها، وأمنها، ومستقبل شعبها.
فمن يريد أن يقرأ خريطة الشرق الأوسط لا يستطيع أن يتجاوز سوريا. ومن يريد أن يناقش أمن المتوسط، ولبنان، والعراق، والحدود، ومكافحة الإرهاب، والميليشيات، وأمن الجولان، وإعادة التوازن الإقليمي، لا يمكنه أن يقفز فوق دمشق.
سوريا ليست ممراً على الخريطة، بل عقدة استراتيجية في قلب المنطقة.
ثالثاً: اللقاء مع واشنطن.. من القطيعة إلى اختبار المصالح
إن العلاقات السورية ـ الأميركية لم تكن يوماً علاقات مستقرة على إيقاع واحد. فقد مرّت بمراحل من التوتر، والقطيعة، والحسابات الأمنية الثقيلة. لكن التحولات الأخيرة تفتح الباب أمام مقاربة مختلفة، عنوانها الواقعية السياسية لا العواطف الدبلوماسية.
واشنطن تدرك اليوم أن إدارة الشرق الأوسط من دون سوريا كانت خطأً استراتيجياً.
فقد أثبتت السنوات الماضية أن إبعاد دمشق عن المعادلة لا يصنع استقراراً، بل يفتح الأبواب للفوضى، والإرهاب، والفراغ، والمشاريع العابرة للحدود.
وسوريا، من جهتها، لا تأتي إلى أنقرة لتطلب اعترافاً عاطفياً، بل لتفرض حضورها بحكم الجغرافيا، والأمن، والمصلحة، وموازين القوة.
فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على الحب والكراهية، بقدر ما تبنى على المصالح والواقع.
والواقع اليوم يقول إن واشنطن تحتاج إلى دمشق، بقدر ما تحتاج دمشق إلى فتح صفحة سياسية جديدة مع واشنطن؛ صفحة عنوانها السيادة، ومكافحة الإرهاب، ورفع القيود، وإعادة الاستقرار، وبناء الدولة.
رابعاً: مكافحة الإرهاب.. من منطق الغارات إلى منطق الدولة
في ملف مكافحة الإرهاب، تحمل سوريا تجربة لا يملكها كثيرون. فقد دفعت ثمناً باهظاً من أمنها ودمها واستقرارها في مواجهة داعش وأخواتها.
لكن الإرهاب لا يُهزم بالبيانات، ولا بالغارات وحدها، بل يُهزم بما يلي:
بدولة قوية،
. وقضاء عادل،
. ومؤسسات أمنية منضبطة
. وحدود مراقبة
. وتنمية تقطع الطريق على الفقر واليأس والفراغ.
داعش لا تولد من العدم. داعش تولد حيث تغيب الدولة، وحيث تتفكك المؤسسات، وحيث يتحول الظلم والفقر والفوضى إلى بيئة مفتوحة للتطرف.
لذلك، فإن أي تفاهم حقيقي بين دمشق وواشنطن في هذا الملف يجب ألا يبقى محصوراً في البعد العسكري: فقط، بل ينبغي أن يمتد إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية ورفع القيود عن الاقتصاد وتمكين القضاء ودعم الاستقرار وإعادة الحياة الطبيعية إلى المجتمع.
خامساً: لبنان والحدود والسلاح.. أمن واحد لا يتجزأ
سيكون الملف اللبناني من أكثر الملفات حساسية في أي نقاش سوري ـ أميركي أو سوري ـ تركي أو إقليمي.
فلبنان لم يعد شأناً لبنانياً صرفاً، بل أصبح مرآة لاختلال التوازنات الإقليمية.
وسوريا، بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصلحة، لا يمكن أن تكون غائبة عن أي نقاش جدي يتعلق بأمن لبنان، وحدوده، ومستقبل السلاح فيه.
لكن دمشق الجديدة لا تريد العودة إلى لبنان بمنطق الوصاية أو التدخل، بل بمنطق الدولة الجارة التي تريد مع لبنا:
حدوداً آمنة
ولبناناً مستقراً
وسلاحاً مضبوطاً بيد الدولة لا بيد الجماعات.
فاستقرار لبنان مصلحة سورية، كما أن استقرار سوريا مصلحة لبنانية. وكل عبث بالحدود، أو بالسلاح خارج الدولة، أو بتحويل لبنان إلى منصة لتصفية الحسابات، هو عبث بمستقبل البلدين معاً.
سادساً: طهران تراقب.. وسوريا تستعيد قرارها الوطني
لا شك أن طهران تراقب هذا التحول بدقة.
فهي تعرف أن صعود دمشق الدولة يعني خسارة دمشق الساحة الخلفية لطهران، وأن عودة القرار السوري إلى مركزه الوطني ستضيّق المساحات أمام الميليشيات، والوكلاء، والرسائل الخشنة، وسياسة العبث بالأمن الإقليمي.
لذلك، فإن كل محاولة تفجير، أو تشويش، أو رسالة دموية، لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا السياق.
هناك من يريد أن يقول إن سوريا لا تزال قابلة للاختراق، وهناك من يريد تعطيل عودتها إلى موقعها الطبيعي.
لكن التاريخ يعلمنا أن الدول حين تستعيد قرارها لا تعود بسهولة إلى الوراء.
سابعاً: الشرع.. رجل خرج من قلب الحرب ليتحدث بلغة الدولة
إن أهمية الرئيس أحمد الشرع لا تأتي فقط من موقعه السياسي، بل من تجربته الشخصية أيضاً. فهو رجل جاء من قلب الحروب، وعرف معنى النار، ولذلك يستطيع أن يتحدث بلغة إطفائها.
لقد قال للعالم إنه أمضى نصف حياته في الحروب، وربما لهذا السبب تحديداً يسمعه العالم اليوم بطريقة مختلفة؛ لأن من عرف الحرب جيداً، يعرف قيمة الدولة، وقيمة الأمن، وقيمة القانون، وقيمة أن يتحول السلاح من فوضى إلى مؤسسة، ومن عبء على الناس إلى حماية لهم.
وفي هذا المعنى، لا تبحث دمشق في أنقرة عن صورة تذكارية مع ترانب او بقية الرؤساء، بل عن تثبيت دور سوريا، واعتراف بموقع، وشراكة لا تنتقص من السيادة، بل تعيد لسوريا مكانتها الطبيعية.
الخاتمة:
الحرف السوري عاد إلى الجملة الدولية من جديد ليقول:
إن قمة أنقرة لن تكون نهاية الطريق، لكنها قد تكون بداية مرحلة جديدة، تدرك فيها واشنطن والغرب أن سوريا ليست تفصيلاً، وأن استقرار الشرق الأوسط لا يُصنع بغياب دمشق، وأن التحالف السوري ـ التركي يشكل أحد مفاتيح التوازن الإقليمي القادم.
فإذا كانت قمة الناتو ستضع النقاط على الحروف في ملفات كبرى، فإن حضور دمشق يعني أن الحرف السوري عاد إلى الجملة الدولية، وأن الشرق الأوسط لا يُكتب من جديد من دون سوريا.





