
قمة أنقرة غدا.. محطة مفصلية لمستقبل حلف شمال الأطلسي “ناتو” ودور تركيا (تقرير)
مع اقتراب انعقاد قمة حلف شمال الأطلسي “ناتو” في العاصمة التركية أنقرة يومي 7 و8 تموز/يوليو 2026، تتجه الأنظار إلى الاجتماع الذي يصفه محللون بأنه قد يشكل نقطة تحول في مستقبل الحلف، في ظل بيئة أمنية غير مسبوقة تتداخل فيها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، وتصاعد التوترات في الشرق الأوسط، والخلافات المتزايدة بين الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين بشأن أعباء الدفاع ومستقبل المنظومة الأمنية الغربية.
ويرى محللون أن القمة لن تقتصر على مناقشة أولويات الناتو التقليدية، مثل الردع والدفاع الجماعي ورفع الإنفاق العسكري، بل ستشهد ملفات سياسية وعسكرية حساسة قد تعيد رسم بعض ملامح العلاقة بين تركيا والحلف، وتمنح أنقرة فرصة لتعزيز مكانتها باعتبارها أحد أبرز الفاعلين في الصناعات الدفاعية الأوروبية.
ويؤكد مراقبون أن استضافة تركيا للقمة تأتي في توقيت يمنحها أوراق قوة إضافية، بعدما تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى أحد أبرز منتجي الطائرات المسيّرة والذخائر والسفن والمنظومات الإلكترونية، في وقت تواجه فيه أوروبا تحديات متزايدة لتأمين احتياجاتها العسكرية نتيجة الحروب واستنزاف المخزونات الدفاعية.
تقدم محتمل في برنامج “قآن”
ومن أبرز الملفات المنتظر طرحها خلال القمة، مستقبل برنامج المقاتلة التركية “قآن”، الذي يمثل أحد أهم مشاريع الصناعات الدفاعية التركية.
ويقول محللون إن القمة قد تشهد تقدماً عملياً في ملف محركات الطائرة، مع احتمال التوصل إلى تفاهم يسمح بتزويد تركيا بعدد محدود من المحركات خلال المرحلة الأولى، بما يضمن استمرار البرنامج وعدم تعطله إلى حين اكتمال تطوير المحرك المحلي.
ويعد هذا السيناريو، في حال تحققه، خطوة مهمة للحفاظ على الجدول الزمني للمشروع، الذي تنظر إليه أنقرة باعتباره حجر الأساس لاستقلالها في مجال الصناعات الجوية العسكرية، وتقليل الاعتماد على الموردين الأجانب.
ملف F-35 أكثر تعقيداً
في المقابل، يستبعد محللون تحقيق اختراق جذري في ملف عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات F-35، مؤكدين أن القضية لا ترتبط بالإدارة الأميركية وحدها، وإنما تتداخل فيها اعتبارات سياسية وتشريعية وضغوط تمارسها لوبيات مؤثرة داخل واشنطن.
ويشير هؤلاء إلى أن لوبيات إسرائيلية ويونانية تواصل معارضة أي خطوة من شأنها إعادة تركيا إلى البرنامج، خشية تأثير ذلك في ميزان التفوق العسكري داخل المنطقة.
وبحسب التقديرات، قد تخرج القمة بإشارات سياسية إيجابية أو وعود بفتح مسار تفاوضي جديد بين الجانبين، إلا أن ترجمة تلك الإشارات إلى قرارات تنفيذية ستظل رهناً بتفاهمات أوسع داخل المؤسسات الأميركية، وهو ما يجعل الوصول إلى تسوية نهائية أمراً يحتاج إلى وقت أطول.
سيناريو جديد لمنظومة S-400
ومن الملفات التي قد تفرض نفسها على النقاشات، وفق محللين، احتمال طرح سيناريو جديد يتعلق بمنظومة الدفاع الجوي الروسية S-400، التي كانت السبب الرئيسي في استبعاد تركيا من برنامج F-35.
ويربط محللون هذا الطرح بإمكانية حضور الرئيس السوري أحمد الشرع للقمة، ما قد يفتح الباب أمام بحث نقل المنظومة إلى الأراضي السورية أو إعادة توظيفها ضمن ترتيبات دفاعية جديدة تهدف إلى حماية الأجواء السورية من الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.
ويرى أصحاب هذا الطرح أن مثل هذه الخطوة قد تحقق مصالح متقاطعة لتركيا وسوريا والولايات المتحدة وحلف “الناتو”، عبر إزالة إحدى أبرز العقبات التي حالت دون إعادة فتح ملف المقاتلات الأميركية.
إلا أن المحللين يشددون على أن تنفيذ هذا السيناريو لن يكون سهلاً، إذ يتطلب موافقة روسية صريحة، إضافة إلى تفاهمات قانونية وتقنية وعسكرية معقدة، فضلاً عن الاتفاق على آليات تشغيل المنظومة والجهة التي ستتولى الإشراف عليها.
ولذلك، يرجح أن يُطرح هذا الخيار باعتباره مخرجاً سياسياً قابلاً للنقاش، دون توقع الوصول إلى اتفاق نهائي خلال القمة، على أن تستكمل المفاوضات في مراحل لاحقة إذا توفرت الظروف السياسية اللازمة.
أردوغان بأوراق قوة جديدة
ويرى مراقبون أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، يدخل قمة أنقرة من موقع أقوى مقارنة بالسنوات الماضية، مستفيداً من التحولات التي فرضتها البيئة الأمنية الأوروبية، وارتفاع الطلب على الصناعات الدفاعية التركية.
فأنقرة، بحسب المحللين، لم تعد تعرض على شركائها الأوروبيين موقعها الجغرافي الاستراتيجي أو حجم جيشها فقط، وإنما تقدم أيضاً قاعدة صناعية متطورة قادرة على إنتاج الذخائر والطائرات المسيّرة والسفن الحربية والمنظومات الإلكترونية التي تحتاج إليها أوروبا بصورة عاجلة.
ويؤكد هؤلاء أن تركيا تسعى إلى تحويل هذا الاحتياج الأوروبي إلى نفوذ سياسي واستراتيجي، بما يتيح فتح الأسواق الدفاعية الأوروبية أمام الشركات التركية، وإشراكها في برامج التصنيع العسكري المشتركة، فضلاً عن تثبيت موقعها ركناً أساسياً في أي منظومة أمنية أوروبية جديدة، خاصة في ظل الحديث عن تراجع نسبي للدور الأميركي في القارة.
أجندة أمنية واسعة
ولا تقتصر أهمية القمة على الملفات التركية، إذ ينتظر أن يناقش قادة الحلف تعزيز قدرات الردع والدفاع الجماعي، ومراجعة مستوى التقدم في تنفيذ تعهدات رفع الإنفاق الدفاعي، إلى جانب بحث أزمة النقص في الأفراد والاحتياط العسكري التي تعاني منها جيوش أوروبية عدة.
كما ستتصدر الصناعات الدفاعية جدول الأعمال، بعد أن كشفت الحروب الأخيرة عن الحاجة الملحة إلى زيادة إنتاج الذخائر والصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي، وتوحيد معايير الأسلحة بين دول الحلف، بما يضمن سرعة الاستجابة للأزمات المستقبلية.
وفي هذا السياق، يتوقع أن تستضيف أنقرة أكبر منتدى للصناعات الدفاعية في تاريخ الناتو، في خطوة تعكس المكانة المتنامية للصناعات العسكرية التركية داخل المنظومة الغربية.
كذلك، يرجح أن تجدد القمة دعمها لأوكرانيا، مع استمرار برامج التسليح والتدريب، ولكن بصيغة تعتمد بصورة أكبر على التمويل الأوروبي والكندي، في ظل مطالبة واشنطن حلفاءها بتحمل نصيب أكبر من الأعباء المالية والعسكرية.
محطة لإعادة رسم التوازنات
ويجمع محللون على أن قمة أنقرة لن تكون مجرد اجتماع دوري لقادة الحلف، بل محطة لإعادة تقييم أولويات الناتو في ظل المتغيرات الدولية، وبحث كيفية تحويل الإنفاق العسكري إلى قدرات قتالية وصناعات دفاعية أكثر كفاءة.
كما تمثل القمة، وفق تقديراتهم، فرصة لتركيا لتعزيز دورها داخل الحلف، وربط أمن أوروبا بأمن البحر الأسود والشرق الأوسط والجناح الجنوبي لـ “الناتو”، في وقت تسعى فيه أنقرة إلى توظيف ثقلها العسكري والصناعي لتحقيق مكاسب استراتيجية وسياسية طويلة الأمد.
وفي ظل الملفات المعقدة المطروحة على الطاولة، من برنامج “قآن” ومقاتلات F-35 إلى منظومة S-400 ومستقبل الصناعات الدفاعية الأوروبية، تبدو قمة أنقرة مرشحة لأن تكون إحدى أكثر قمم الناتو تأثيراً خلال السنوات الأخيرة، بما قد ينعكس على شكل الحلف وتوازناته في المرحلة المقبلة.






