
نتنياهو.. بائع الأوهام (مقال)
في آذار/مارس تحدث رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية في مؤتمر صحفي قال فيه (عندما نصبح قوة اقليمية و في بعض الاحيان قوة عالمية نمتلك القدرة على درء المخاطر وتحديد مستقبلنا).
ثم أضاف مخاطبا الإسرائيليين ومهدئا لهم (أعلم انكم تذهبون للملاجىء عدة مرات).
قوة عالمية لكن سكانها يعيشون معظم اوقاتهم في الملاجى كلام يأكل بعضه.
وفي أواخر آذار/مارس أيضا قال افيغدور ليبرمان رئيس حزب إسرائيل بيتنا ان الإسرائيليين في الشمال ينزلون للملاجىء كل 21 دقيقة ووافقه على كلامه الكاتب الإسرائيلي رون بن يشاي.
هكذا هو نتنياهو ملك تزييف الحقائق فنان في تغيير الوقائع ماهر جدا في تسويق البضائع حتى لو كانت فاسدة.
قال عنه الصحفي الإسرائيلي يوسي فيرتر في صحيفة هآرتس قبل أيام (إنه يكثر من مساحيق التجميل).
تخرج نتنياهو من معهد MI في الولايات المتحدة في التسويق وعمل هناك في هذا القطاع سنوات طويلة.
حين انضم للعمل السياسي اصبحت شخصية نتنياهو خليطا بين السياسة والتسويق وفن الاعلام والنموذج الامريكي في التضخيم والمبالغة واضيفت عليها خاصية نتنياهو التي ترافقه منذ الولادة ونمت معه وتطورت وصارت لب سلوكه وهي الكذب الذي يترافق مع فخامة الأنا وحب الاكتساب ونكران الآخر.
نجح نتنياهو طوال عشرين عاما تقريبا في البقاء في رئاسة الحكومة هذا لا يعود لمهارته الشخصية في الخداع فقط بل بسبب الازمات الإسرائيلية الداخلية التي منها خلو الساحة من قيادات كبيرة مؤثرة وضعف الاحزاب وتشتت الناخبين والانقسام المجتمعي.
نتنياهو يعتبر نفسه نبي لبني إسرائيل أو آخر الأنبياء أو ملك إسرائيل وهو يحب كثيرا هذه الصفة.
كل هذا التفاخر والغطرسة سقط في 7 اكتوبر مع عملية ( طوفان الأقصى ) التي نفذتها حركة حماس.
هذه العملية هزت الاحتلال الإسرائيلي واحدثت تصدعات هائلة في الكيان واظهرت فشل المستويين السياسي والعسكري الإسرائيلي واعتبرت ضربة استراتيجية عميقة واهم ما فيها انها نقلت إسرائيل إلى مرحلة التصدع والتفكك.
هنا تحطمت صورة نتنياهو سقطت الهالة انسحقت الأحلام واحترقت الاسطورة.
مع تحمل مسؤولين سياسيين وعسكريين إسرائيليين المسؤولية عن اخفاقهم في طوفان الأقصى رفض نتنياهو الاعتراف بالفشل أو الهزيمة اتهم كل القيادات الأخرى وبرأ نفسه وخاض عدة معارك للبقاء.
منذ الساعات الأولى قفز نتنياهو نحو مرحلة جديدة وأعلن عن أهدافه القادمة وأهمها تغيير الشرق الأوسط والقضاء على المقاومة في فلسطين ولبنان وإعادة بناء الشرق الاوسط من دون قوى المقاومة ومنع الدول المجاورة من امتلاك مصادر القوة التي تهدد إسرائيل.
خلال عامين ونصف قصف نتنياهو كل ما يستطيع أن يقصفه ودمر كل ما طالته طائراته ودباباته وارتكب المجازر و نفذ مخططات التهجير القسري واغتال كل من استطاع ان يصل إليه و توغل في أراضي دول مجاورة وحطم بنية تحتية وهدد الجميع حتى الدول التي وقعت معه اتفاقيات سلام.
كان نتنياهو يتصرف من اعتبارين حجم الضربة التي وجهتها حركة حماس لكيانه وتهديدها لمستقبل الكيان وتمزقه لاحقا وحجم الدعم السياسي العسكري الامني الاقتصادي المطلق الذي حصل عليه من واشنطن وباقي الحلفاء ما منحه الضوء الاخضر للقتل والارهاب والابادة ووفر له حماية شخصية.
بعد أكثر من عامين يحاول نتنياهو اقناع نفسه واقناع العالم بتحقيق مكاسب استراتيجية هائلة لاسرائيل لكنه يفشل ثم يفشل ولأنه غير مقتنع بالخسارة الهائلة أو لا يريد أن يظهر انه مقتنع ولا يؤيد الحلول السياسية وطبيعة تحالفاته الحزبية والوضع الداخلي الإسرائيلي لا يسمح بذلك فإن نتنياهو يذهب نحو التصعيد ثم التصعيد يشعل الحرائق ويغذي الحروب ويريد لآلة القتل ان تواصل عملها لأن توقفها سيكشف الحقيقة.
من غزة إلى الضفة الغربية و من القدس إلى دمشق ومن بيروت إلى طهران ومن صنعاء إلى الدوحة اعتداءات وتصعيد وقتل وتقديم واقع مزيف للاسرائيليين معتمدا على مهارته المميزة في التسويق والخداع والكذب.
كل ما قام به تجاه الفلسطينيين وتجاه حماس في غزة لم يحقق له الأهداف التي سعى لها و مراكز الابحاث ووسائل الاعلام الإسرائيلية تحفل بالمواقف والمعطيات حول قدرة الفلسطينيين وقدرة حماس على النهوض والبقاء.
مجلس ترامب للسلام العالمي سحب الكثير من اهداف نتنياهو و تردد الدول في المشاركة في نزع سلاح حماس افقده رهاناته وتزايد الدور القطري والتركي في غزة صدم جميع الاسرائيليين.
كل ما تحدث عنه نتنياهو عن إنهاء حزب الله في لبنان بعد اكثر من عامين ونصف من العدوان انهار خلال 24 ساعة بعد ان شارك حزب الله في المعركة اثر العدوان على إيران اوائل شهر آذار /مارس الحالي حيث تبين ان حزب الله يقاتل على طول حدود لبنان في خط المواجهة الأمامي ويضرب العمق الإسرائيلي بقوة وفاعلية ويدير العملية بشكل استراتيجي ثابت ورؤية واضحة.
مع اليمن لم يكن حظ نتنياهو افضل فهو دمر بنية تحتية في اليمن لكنه لم يستطع ان يمنع اي دور يمني داعم للمقاومة وفشل في اضعاف اليمن استراتيجيا.
في سوريا توغلت قواته وقصف اهدافا كثيرة لكنه خائف جدا من النظام الجديد ومن التحولات في سوريا كما أنه خائف من توجهات الشعب السوري ومن تطور القدرات العسكرية للدولة وتحالفاتها خاصة مع انقرة وتخيب رهاناته على تقسيم سوريا.
مع إيران سقطت كل الرهانات على إسقاط النظام أو اضعاف الدولة أو إنهاء مكانة إيران في دعم المقاومة ولا تزال إيران تقاتل وتصمد وهي قادرة على النهوض.
يخاف نتنياهو من تركيا وزعيمها وجيشها وتركيا تمثل عقدة نفسية وحضارية لنتنياهو وغيره من المسؤولين الإسرائيليين لذلك يذكرونها دائما ويعربون عن مستقل مخيف مع تركيا التي تتوسع عسكريا واقتصاديا ونفوذا استراتيجيا.
رهان نتنياهو على إجبار باقي الدول العربية منهم السعودية على الانصياع سقط والتطبيع مع السعودية تراجع بشكل مذهل وهذا سينعكس على عدة دول عربية واسلامية والاتفاقيات الابراهيمية ما عادت نموذجا مشجعا.
خوف الإسرائيلي امتد إلى مصر فالاسرائيلي يخطط كيف يتخلص من تعاظم دور مصر خاصة بعد التطور الايجابي للعلاقة مع تركيا.
اليوم مع نتنياهو يمر الاقتصاد الإسرائيلي بمرحلة حرجة فالهجرة تزداد وشركات التكنولوجبا تغادر والكفاءات العلمية الشابة تبحث عن مجتمعات جديدة والخوف من المستقبل يتراكم والمجتمع منقسم والحديث عن حرب أهلية يسيطر على المحللين والقادة وتهرب نتنياهو من المحاسبة يدمر القانون وسيطرة المتدينين على الدولة تنذر بالخراب.
اليوم في زمن نتنياهو تعرضت إسرائيل لضربات بالصواريخ بشكل لم تتعرض له في تاريخها وتعرضت لهجمات بالطائرات بشكل لم تتعرض له في تاريخها وعاش الإسرائيليون في الملاجىء أياما أكثر مما عاشوه طوال حياتهم صارت إسرائيل مكانا للخوف والرعب ولم تعد أرض الأمن والعسل واللبن.
أصبحت إسرائيل منبوذة والاسرائيليون مطرودون في كل مكان حتى المواطنون الامريكيون بدؤوا يبتعدون عنهم.
غالبية الفنانين والمثقفين والرياضيين والجامعات في العالم ضد الكيان.
سقطت صورة إسرائيل بشكل دراماتيكي.
يستطيع جيش الاحتلال الإسرائيلي ان يضرب اي مكان لكنه عاجز عن تحقيق اي مكسب استراتيجي مستقبلي يوفر الأمن والاستقرار لهذا المجتمع الغريب ويعيد الثقة للاسرائيلي بدولته.
نتنياهو زاد قناعة المجتمع الإسرائيلي بنهاية الدولة عند العقد الثامن.
نتنياهو هو الزعيم الوحيد في العالم المطلوب للمحكمة الجنائية الدولية.
استطاع نتنياهو ان يخدع الإسرائيليين وهم يحتاجون اليوم زعيما مثله لأنهم خائفون قلقون وحالهم يشبه حال مريض يذهب لعراف وهو يعلم انه كاذب لكنه يحتاج فقط كلمات وحركات مخادعة وهذا ما يجيده نتنياهو.
نتنياهو نجح بشكل كبير في خداع الإسرائيليين باعهم وهم الانتصار والتفوق لكن كل ما يحيط بهم يؤكد انهم على حافة الانهيار الوشيك.







