
إيران.. الدولة التي دعت أعداءها إلى “وليمة الحرب” ثم استدعت العالم كله إلى المائدة (مقال)
ما يحدث اليوم ليس عدوانًا مفاجئًا على إيران، ولا مؤامرة طارئة، بل نتيجة طبيعية بل حتمية لسياسة قائمة منذ عقود على التهديد والوعيد واستعراض القوة وتصدير الفوضى.
لقد تصرفت طهران طويلاً وكأنها تريد الحرب، لا تريد تجنبها، حتى بدا الأمر وكأنها هي من أعدّت “وليمة الحرب” ودعت إليها الولايات المتحدة وإسرائيل بنفسها.
منذ سنوات، لم يتوقف الخطاب الإيراني عن التهديد بمحو إسرائيل، ولا عن التفاخر بترسانة صاروخية متنامية، ولا عن التلويح بالقدرة النووية.
بالتوازي، أطلقت أذرعها المسلحة لتعبث باستقرار دول عربية وأسهمت مباشرة في المأساة السورية بدعمها العسكري لنظام بشار الأسد.
لم يكن ذلك دفاعًا عن النفس، بل مشروع هيمنة صريح كلف المنطقة أنهارًا من الدم.
الضربة التي فجّرت الموقف: غارسيا
لكن الذروة جاءت حين تجاوزت طهران كل خطوط التعقل واستهدفت قاعدة غارسيا البريطانية – الأمريكية المشتركة، على بُعد يقارب أربعة آلاف كيلومتر.
هنا لم تعد إيران تشتبك مع خصوم إقليميين، بل أعلنت عمليًا أن مدى صواريخها يصل إلى ما وراء الشرق الأوسط.
المفارقة الصادمة أن طهران كانت قد أعلنت سابقًا أن أقصى مدى لصواريخها نحو ألفي كيلومتر فقط.
بضربة واحدة، كشفت أنها تمتلك قدرات تضاعف ذلك، ما يعني أن العواصم الأوروبية نفسها باتت ضمن دائرة التهديد.
بهذا التصرف، لم تكتفِ إيران بدعوة واشنطن وتل أبيب إلى وليمة الحرب، بل وضعت أوروبا كلها أمام المائدة نفسها — سواء أرادت أم لم ترد.
أوروبا.. من الحياد إلى الذعر
لسنوات، حاولت أوروبا لعب دور الوسيط، متمسكة بالاتفاق النووي وبخيار التفاوض، لكنها اليوم تجد نفسها أمام تهديد مباشر.
حين تدرك العواصم الأوروبية أن الصواريخ التي طالت غارسيا يمكن أن تطالها، يتحول الحياد إلى رفاهية لا يمكن تحملها.
ومن هنا بدأ التفكير الجدي داخل الاتحاد الأوروبي وحلف الـ”ناتو”: هل يكتفون بالدفاع وانتظار الضربة التالية، أم ينضمون إلى الحرب بضربة استباقية؟
إيران، بقرار واحد متهور، نقلت أوروبا من موقع المتفرج إلى موقع المستهدف المحتمل.
والأكثر إثارة للسخرية وربما للدهشة أن طهران بدأت تطلب دعم الدول الإسلامية، رغم أنها لم تترك دولة إسلامية رئيسية إلا ودخلت معها في صدام أو توتر.
من الخليج إلى تركيا، وصولًا إلى أذربيجان، كانت السياسة الإيرانية قائمة على التوسع وفرض النفوذ، لا على بناء تحالفات.
وتأتي الرسالة المنسوبة إلى علي لاريجاني قبل اغتياله بساعات التي دعا فيها الدول الإسلامية إلى الوقوف مع إيران لأنها “دولة إسلامية” لتكشف حجم التناقض، فالدولة التي صادمت جيرانها لعقود تحاول فجأة الاحتماء بهويتهم المشتركة عندما تشتعل النار حولها.
توسيع الحرب.. مقامرة يائسة
يبدو أن طهران تراهن على توسيع الصراع أملاً في إدخال أطراف جديدة إلى المعركة، لعلها تحصل على دعم مباشر أو غير مباشر يخفف عنها الضغط العسكري.
لكن التاريخ يقول إن توسيع الحروب لا يجلب دائمًا حلفاء.. بل قد يجلب خصومًا أكثر.
وبدلاً من أن تُرغم العالم على حمايتها، قد تكون قد وحدت العالم ضدها.
وليمة قد تتحول إلى محرقة
إيران لم تُحاصر لأنها ضعيفة، بل لأنها وفق هذا المنظور تصرفت بقوة دون حساب للعواقب.
لقد لوّحت بالحرب حتى جاءت، واستعرضت قدراتها حتى دفعت الآخرين إلى اختبارها، ووسعت دائرة التهديد حتى وسعت دائرة الخصوم.
الآن، لم تعد “وليمة الحرب” محصورة بضيفين اثنين أو ثلاثة.
الطاولة تكبر، والنار تشتد، واحتمال خروج الأمور عن السيطرة يتزايد كل ساعة.
والسؤال المرعب: هل كانت طهران تدرك أنها بإشعال هذه النار قد تحرق المنطقة وربما نفسها قبل أن تحرق خصومها؟







