مدونات TRهام

إيران.. حين تخطئ البوصلة وتخاصم الجميع (مقال)

منذ اللحظة الأولى لتصاعد التهديدات الأميركية بشن حرب مباشرة، اختارت دول الخليج موقعًا عقلانيًا واضحًا: الحياد.

لم تكتفِ هذه الدول بإعلان عدم السماح باستخدام أجوائها أو أراضيها لأي عمل عسكري ضد إيران، بل ذهبت أبعد من ذلك، ففتحت قنوات الوساطة، وسعت إلى نزع فتيل المواجهة، إدراكًا منها أن أي حرب جديدة في المنطقة لن يكون لها رابح.

لكن ما الذي فعلته طهران عند أول اختبار حقيقي؟

بدل أن تميّز بين من يهددها ومن حاول حمايتها من الانفجار، صبّت إيران جام غضبها على دول الخليج نفسها، مستهدفة مواقع ومنشآت، بل وحتى أبنية مدنية، في سلوك لا يمكن تفسيره إلا كحلقة جديدة من التخبط الاستراتيجي المزمن. هكذا، وبضربة واحدة، بدّدت طهران ما تبقى من تعاطف إقليمي، ونسفت كل محاولات التهدئة التي صبّت في مصلحتها أولًا.

المفارقة الصارخة أن هذا التصعيد لم يكن ردًا مباشرًا على الولايات المتحدة، الجهة التي تُحمّلها إيران علنًا مسؤولية التهديد والضغط والعقوبات، بل جاء على حساب دول أعلنت حيادها الصريح، ودفعت سياسيًا لمنع الحرب. وكأن طهران، العاجزة عن مواجهة واشنطن مباشرة، قررت تعويض هذا العجز بفتح جبهات جانبية مع الجوار، في منطق أقرب إلى الانتقام الأعمى منه إلى الحسابات الاستراتيجية.

هذه ليست المرة الأولى التي تقع فيها إيران في هذا الفخ. فمن لبنان إلى اليمن، ومن العراق إلى سوريا، راكمت طهران خصومات وعداوات، حتى باتت معزولة إقليميًا، ومحاطة بدول فقدت الثقة في نواياها، مهما رفعت من شعارات “الدفاع” و“الردع”. واليوم، بإقحام دول الخليج في مرمى نيرانها، تؤكد مجددًا أنها لم تتعلم من دروس الماضي، وأنها ما زالت تخلط بين استعراض القوة وبناء النفوذ الحقيقي.

إن استهداف دول محايدة لا يُضعف الخصم الحقيقي، بل يوسّع دائرة العداء، ويدفع المنطقة كلها نحو مزيد من الاستقطاب والتوتر. والأسوأ أن إيران، بهذا السلوك، تقدم الذرائع المجانية لكل من يسعى لعزلها أو محاصرتها أو حتى ضربها، بينما كان أمامها خيار آخر: تثبيت الحياد الخليجي كرصيد سياسي واستراتيجي ثمين.

الخلاصة واضحة: دولة تعادي جيرانها، وتستهدف من حاولوا تجنيبها الحرب، لا تدافع عن نفسها، بل تحفر عميقًا في عزلتها. وإيران اليوم لا تبدو في موقع القوة، بل في موقع من يكرر الأخطاء نفسها، ويدور في حلقة مفرغة من التصعيد، فيما المنطقة بأسرها تدفع ثمن هذا العمى الاستراتيجي.

زر الذهاب إلى الأعلى