
يتجدد الحديث عن الشذوذ الجنسي وأشكاله وأسبابه من وقتٍ لآخر، وتتجدد معه الآراء التي تحاربه بمواجهة الآراء التي تدعمه.
لكن بين هذا وذاك، شيء واحدٌ ما زال ثابتاً حتى الآن في هذه المسألة، وهو عدم حصوله فكرة الشذوذ الجنسي على إجماعٍ مجتمعيّ في أيٍّ من الدول والمجتمعات، أياً كان الدين السائد هناك ومهما بلغت نسبة “التحرر”، إذ إنه في كلّ الأحوال، لا بد أنك ستجد من يقول “لا” للشذوذ الجنسي.
أسباب هذه الـ”لا” إذا ليست محضُ دينية ولا أخلاقية، بل إنّك قد تجدها عند الكثيرين ممن لا يؤمنون بأيّ دين، لكنهم يعارضونها لأنها “ضد الطبيعة”!
“وكالة أنباء تركيا” إذ تحاول سبر الآراء حول هذه القضية من زوايا عدة، حاورت عدة شخصيات من رجال الدين المرموقين لدى طوائف عدة من المسلمين والمسيحيين.
وفي لقاء خاص مع “وكالة أنباء تركيا”، قال الشيخ الدكتور محمد الصغير، عضو الأمانة العامة للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورئيس لجنة الدعوة بالاتحاد، في معرض الإجابة عن دور فاعل رجال الدين بمحاربة هذه الظاهرة، إن “هذه القضية مهمة، وتبنّي الإعلام لها جعلها تكون في مقدمة ما يثار الآن إعلامياً، وعلماء الإسلام ينبغي أن يكون لهم رأي واضح ومتقدّم”.
ورأى الصغير أن “الكثير من العلماء لا يقومون بدورهم في هذه القضية، بعضهم من باب الحياء وبعضهم يتحرّج أن يتحدث فلا تصل الصورة كاملة، كما أن صوت الذين ينادون بموضوع الشذوذ الجنسي عالياً، لا بدّ أن تكون آراء وفتاوى العلماء أعلى من ذلك وأكثر قوةً حتى يتضح الأمر ويكون الرأي الشرعي والفقهي موجود لدى من يبحث عنه من أقصر طريق”.
وتعليقاً على واقع وجود جو عام يدعم ويشجّع الشذوذ الجنسي تحت بند حقوق الإنسان، قال الصغير إن “الإصرار على تصدير قضية الشذوذ الجنسي وتهئية الأجواء إعلامياً لها والإصرار على وجودها في صدارة المشهد الإعلامي، يجعلنا نعتزّ بالنصّ القرآني الذي كان معجزاً وسابقاً، قال الله تعالى “إن الذين يحبّون أن تشيعَ الفاحشة في اللذين آمنوا”.
وفي هذا المجال أوضح أن “إشاعة الفاحشة معناها انتشار الفاحشة وذيوع الفاحشة، حتى من أصابه ضعف أو وقع في خلل ومعصية، وكلّ بن آدم خطّاء، فينبغي أن يستتر بهذه المعصية، النبي صلى الله عليه وسلّم يقول: كلُّ أمّتي مُعافى إلا المجاهرون”، ومن تستّر بستر الله ستره الله”.
وتابع “لكن الذي يحدث الآن هو إصرار على إشاعة الفاحشة والتسويق لها، ولو رأينا كمية ما يقال عن الزواج والحث عليه في المجتمعات لا يقارب نسبة بسيطة من الحثّ على تقنين وإشاعة الشذوذ الجنسي”.
وفي إجابةٍ عن سؤال حول إمكانية تجديد الخطاب الديني في مجال مواجهة الشذوذ الجنسي، قال الصغير “ينبغي على العلماء وأصحاب المنصّات الدعوية ودور الإفتاء أن تجعل جزءاً مهمّاً من رسالتها لإيضاح الحكم الشرعي والفقهي، لأن هذا أمرٌ فيه حدّ من حدود الله تبارك وتعالى”.
وأردف “ينبغي للعلماء الذين عايشوا الغرب أو عاشوا فيه واطلعوا على الآثار المدمّرة لهذا الانحراف الإنساني والخُلقي والقِيَمي أن تكون رسالتهم فيه أكبر وأوضح”.
أما حول كيفية الضغط للحدّ من الإنتاجات الدرامية التي تركز على تشجيع الشذوذ الجنسي، رأى الصغير أنه “لا شكّ أن الإنتاج الدرامي والإعلامي موجّه، والشيخ سيّد قطب كتب قبل عام 1950 أنه من السياسة التي تريد أمريكا أن تسنّها في العالم هي سياسة محاربة الأخلاق أو الوقوف ضد الفضيلة”.
وأوضح أن “الترحيب الزائد الذي يحدث في المجتمع بهذا المنحدر الأخلاقي فيه تهديد لكيان الأسرى، والعالم ما هو إلا مجموع من الأسَر، وشيء مؤسف أن نقول أن بعض الكنائس بدأت تتقبّل الأمر في الغرب، بل رأينا بعض الحكومات تتفاخر بأن فيها وزير متزوج من رجل…”.
وشدد الصغير أنه “إذا كان بعض الكتّاب والصحافيين قد سقطوا في هذا المنحدر، فما كان يجب على مؤسسة دينية مثل الكنيسة أن تخالف الدين والعرف والأخلاق”.
من جانبه، قال الأب نعمة صليبا، الأستاذ المحاضر في جامعة القديس يوسف في لبنان لـ”وكالة أنباء تركيا” إن “المثلية الجنسية (الشذوذ الجنسي) موضوعٌ قديمٌ يتجدّد النقاش حوله إلى الآن، وككلّ قضية إنسانية تتداخل فيها عدة مفاهيم واعتبارات، أبرزها النظرة العلمية والنظرة الدينية كما والنظرة الاجتماعية”.
وتابع صليبا “لطالما اعتُبرت المثلية (الشذوذ) قضيةً دينية محض، وأنّ مرتكبها يعصي الله أولاً وعليه التوبة والرجوع عن هذه الأفعال”.
ولفت صليبا إلى أن “الأبحاث العلمية قدّمت نظرياتٍ متعدّدة قلبت المفاهيم وساهمت في تحريك الرأي العام لمساندتها، سنداً لنظرة الطبيعة الخَلقية لدى الإنسان”.
وفي هذا الإطار أكد أن “الأطباء نزعوا عن المثلية (الشذوذ) صفة المرض، أي ما هو طارئٌ على الجسم البشريّ، وبالتالي أصبحت المساواة في الحقوق والواجبات من بديهيات الأمور المطالب بها، وهذا ما عزّز لدى الكثير من الدول منحهم حق الزواج وحضانة الأطفال رسمياً”.
وبيّن قائلا “اليوم نشهد هنا وهناك إعادة بحث في هذه المُسلّمة العلمية بما يناقضها، وإعادة اعتبار المثلية (الشذوذ) نوعاً من أنواع الانحراف السلوكيّ الذي يتطلّب معالجةً متخصّصة”.
وأضاف “سيبقى هذا الموضوع مدار أخذٍ ورَدٍّ طالما لم يَبتّ العلم به جذرياً، إذاً القضية المفصلية هي في السياق الطبيّ والذي عليه أن يحسم أمره جذرياً لتتمّ مقاربته بطريقة تخدم العلم والدين ولا تضع الواحد في مواجهة الآخر”.
وقال صليبا إن “البحث الإجتماعيّ يفرض نفسه كواقعٍ حاصلٍ يخترق جميع البلدان والمجتمعات والأديان، وغالباً ما يتمّ تناول هذه القضية بكثير من التحفّظات والقيود فهي موجودةٌ بقوة الواقع في المجتمع”.
وأشار إلى أن “أيًّا من المجتمعات العربية لم تفتح باب الحوار رسمياً مع من يعبّرون عن أنفسهم بهذه الصفة، فبقي هذا الموضوع إلى اليوم في منزلةِ المحرّمات”.
وبالنسبة للزاوية التي يعنى به الدين، قال صليبا “ما يهمّ الدين هو خير الإنسان ورُقِيّه الأخلاقيّ والداخليّ وسلامة مجتمعه، بما يكفل للكرامة الإنسانية أن تحقّق مبتغاها، ألا وهو التقرّب أكثر من الله”.
وبالحديث عن دور الإعلام في الترويج للشذوذ الجنسي، قال إن “مسألة المثلية (الشذوذ) واجهت في كلّ من المسيحية الكاثوليكية والأرثوذكسية وقسم كبير من الكنائس الإنجيلية كما والدين الإسلاميّ، الضغوطاتِ الإعلامية المتزايدة حول هذا الموضوع”.
وأضاف “عالج المجمع الأنطاكيّ في رسالته الرعائية (العائلة فرح الحياة) عام 2019 في الفقرة 43 منه موضوع المثلية (الشذوذ)، وأعاد التشديد على الثوابت في النظرة الدينية المشرقية حوله على أنه مخالفةٌ للترتيب الإلهي المُعبَّر عنه في صورة الخلق في كتاب التكوين، وأن المثلية الجنسية مخالفة للمسار الطبيعيّ للحياة الزوجية التي أرادها الله للإنسان”.
وتابع أن “الفقرة 45 تشدّد على ضرورة مرافقة الأب الروحيّ لهؤلاء الأشخاص، دون إدانتهم وبمحبة كبيرة من مرشديهم ومن عائلاتهم حتى يتمكنوا من سلوك ممارسةٍ سوية”.
وتحدث صليبا عن موقف الفاتيكان من الشذوذ الجنسي، حيث أوضح أن “بابا روما الحالي (فرنسيس) ذهب في تصريحاته إلى مرحلة التمييز بين الفعل ومرتكبه، أي أنّ على الكنيسة مرافقة هؤلاء المجروحين بتفهّم ومحبة، دون الوصول إلى مرحلة تشريع رسميّ لها”.
وأضاف “لقد وجد البابا فرنسيس في عقود الزواج المدنية منفذاً لتشريع أوضاعهم مع ما يكسبهم هذا التشريع من عنايةٍ طبّية ونفسية ستساعدهم على بلوغ مرحلةٍ أفضل من تفهّمهم لحالتهم”.
وأكد أن “مجمع العقيدة والإيمان في الفاتيكان أعاد مؤخراً النصّ صراحةً على عدم جواز مباركة أيّ كاهنٍ لزواجٍ مثليّ بشكلٍ واضح وصريح”.
وختم الأب صليبا بالقول “إلى أن يُنهي الطب الجدل حول هذا الموضوع، ينبغي على الدين الرأفة والتوعية حوله بشكلٍ علميّ ورصانةٍ إيمانية”.
من ناحيته، فضيلة الشيخ المهندس زياد أبو غنّام، مؤسس ورئيس اللقاء المعروفي (لدى الطائفة الدرزية)، استهلّ كلامه لـ”وكالة أنباء تركيا” بالقول إن “المجتمع المعروفي التوحيدي (الدروز) الذي يعتمد القرآن الكريم الكتاب المقدس والمرجع الوحيد والشرعية لأي فتوى أو قانون أو حُرم، لن يدخله أي شذوذ بعون الله”.
وأضاف “لكي نتكلم لغة العقل والإيمان، فإن المجتمع منذ تكوين الكون منقسم بين الخير والشر، ويتغيّر الزمان والمكان وتتغير النفوس، والمشاكل هي هي، والأفكار والشرور هي هي”.
وحول دور رجال الدين في محاربة الشذوذ الجنسي، قال أبو غنّام إن “دورهم أساسيّ وكبير في توعية الناس وتوجيههم وإرشادهم وتعليمهم، وأسمح لنفسي في معالجة السؤال بالقول ما هو دور رجال الدين في معالجة بعض حالات الشذوذ الجنسية وإن وجدت؟”.
وأردف “أولاً أودّ أن أتكلّم من جهة أبناء عشيرتي المعروفية (الدرزية) التي تتبع التقية والعقل والمذهب الحنفيّ في مسلك الروحاني الإسلامي الراقي مذهب التوحيد، وهي تقاربُ كلّ الأمور بالعقل والمنطق”.
وتابع أبو غنّام “من هنا ليس علينا أن نستغرب ونستهجن ونثور عند أي ظاهرة، فكلّ مجتمع فيه الصالح والطالح، إنما ما يميّز مجتمع بني معروف (الدروز) عن باقي المجتمعات، أنه لا يسمح بتعدّد الزوجات ولا يسمح بزواج المتعة ولا يسمح ولا يقبل ويطرد أشرّ طردٍ من قام بالزنى أو اللياطة أو التحرّش الجنسي، فهذا أمر مرفوض ومنكر ومحرّم، ويحاسب عليه المجتمع، وقد تحصل جريمة في بعض الأحيان لردّ الإعتبار أو ما يُعرف بجريمة شرف”.
وقال “ما أودّ أن ألفت إليه هو أن هذه الظاهرة مدفونةٌ في مجتمعنا قبل أن تولد، بحمد الله وعونه وببركة ودعاء مشايخنا الأطهار، رغم حتمية وجودها في بعض المناطق المختلطة أو التي يتباعد بها أفراد الأسرة ويتباعدون عن المرشدين ورجال الدين، فنعم هذه الظاهرة موجود”.
أما عن مدى تأثير رجال الدين في محاربة انتشار الشذوذ الجنسي، قال أبو غنّام “نحن حقاً في مشكلة لا أحد يستطيع حلّها إلا من خلال الأم والأب وأولي الأمر، وزرع الخير في النفوس، والإيمان في القلوب، والحكمة في العقول”.
وتابع موضحاً “منذ نعومة الأظافر، يتربّى الطفل على الحلال، ويعلم ما هو الحقّ وما هي الحياة وما هو الجنس وتزرع الفكرة مع بداية البلوغ، وكيفية التعامل مع بلوغ الجسم وتغيّر حياته وبدء الشعور بهذه الشهوة”.
وتابع “ولو أن المجتمع يسمع دائماً للإرشدات العقلانية التي يصدرها رجال الدين في المواعظ الأسبوعية ويحاول تطبيقها، بحيث نستطيع نحن إقتلاع الظاهرة قبل أن تولد”.
ورأى أن “الشذوذ الجنسي أو التحرش أو أي شيء يتعلق بالشهوة الجنسية أساسُه المعشر، كما يقال (قل لي من تعاشر أقل لك من أنت)، إنما في زمن الإنفتاح كما ذكرت، فإن هذه الآلة التي تسمح لك بالتواصل مع جميع أنواع البشر، تفتح الكثير من العوائق في محاربة هذه الظاهرة ومحاصرتها “.
وشدد أبو غنّام على أن “التربية هي الأساس، فإذا إستطعنا نحن كرجال دين جذب الأم والأب إلى الجامع والمسجد والكنيسة وإلى أيّ لقاءٍ دينيّ روحانيّ علميّ وزرع الحلول ووضع الخطوط والطريق للخلاص، سنستطيع بناء مجتمعٍ محصّنٍ من أيّ شذوذ، ونستطيع أن نحمي أطفالنا كمن يضع برامج الحماية المسبقة لأي فيروس قد يتعرّض له الحاسوب”.
وأعرب عن تمنياته “عدم تحميل المسؤولية فقط لرجال الدين، فهم يشكلون بشكل عام ما يقارب 20% من المجتمع، فعلى الدولة والجمعيات والمدرسة والمعلم الحمل الأكبر في توجيه الشباب والصبايا إلى الخط القويم”.
ولفت إلى أن “منع التواصل أصبح صعباً بل مستحيلاً، وكل ممنوع مرغوب، إنما حينما يرفض المجتمع أي ظاهرة أو مظهر بشكل حازم وجدّي مبني على قرار، فإن هذه الحالات ستنتهي ولعل بأصعب حالة تختفي عن الوجود”.
وقال أبو غنّام إن “الشهوة مزروعةٍ بالإنسان كما شهوة الطعام وحبّ المال وحبّ السلطة، كلّها شذوذ، وحده العقل والدين والقلب الصافي يستطيع محاربتها والتخلص منها ورفضها”.
وفي معرض الحديث عن الحلول الممكنة لمواجهة ظاهرة الشذوذ الجنسي، قال أبو غنّام إنها “تكمن في التوعية المستدامة، ومعالجة تفكّك الأسرة والمجتمع، والتربية بالعقل والمنطق والمحبة، وزرع بزور الدين والإيمان والخوف من العقاب”.
وركّز على أنه “يجب أولاً وآخراً ودائماً تكريس عظمة الخالق وتأكيد وجوده في كلّ زمان ومكان، وهو الرقيب الحسيب الناظر، فمن يؤمن بوجوده سينزل في قلبه الخوف، فمن يخشى الله سيخشى ذنبه”.
بدوره، قال الشيخ مصطفى ملص إن “موقف رجال الدين معروف بشكل عام، والموضوع ذو حساسية إجتماعية في الشرق، نابعة من النظرة العامة للجنس عموماً، ومن النظرة التراثية أيضا”.
وتابع “أنا شخصياً لم أبحث المسألة بشكلٍ يمكنني من تبيان فهم معيّن تجاهها، هل هي مرضٌ أم إنحرافٌ سلوكيّ أم أنها ناتجة عن خللٍ بيولوجي عند الفرد بحيث يدفعه هذا الخلل إلى سلوك هذا المسلك لإشباع الشهوة الجنسية، أم أن هناك تفسير آخر”.
وأضاف ملص “على كل حال الموضوع شائك وليس لدي رأي سوى الرأي الذي يتبنّى رفض الظاهرة، والتي لا أعتبر أنها في البيئة الإجتماعية التي أنتمي إليها تشكل ظاهرة، وإنما يمكن تصنيفها ضمن خانة الإنحراف السلوكيّ”.







