تقاريرهام

كازاخستان بين الدور التركي والدور الروسي.. لمن سترجح الكفة (تقرير)

أيامٌ من الأحداث المتسارعة مرّت بها كازاخستان، حيث لفتت أنظار العالم إليها.

بين ليلةٍ وضحاها تحوّل البلد الهادئ إلى كتلة ملتهبة من المواجهات والتفلت الأمني، الذي تطلّب استدعاء الحلفاء في منظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا، إلى التدخل بآلاف الجنود “بهدف فرض الأمن والاستقرار”.

تلاقت التصريحات الكازاخية الرسمية مع تلك الروسية، باتهام “جهات خارجية بدفع عناصر إرهابية لتنفيذ عمليات تخريب وسرقة ونهب وتدمير مؤسسات للدولة، بهدف إدخال البلد في أتون حرب أهلية لغايات خفية”.

في المقابل، جهات دولية تتهم شخصيات في السلطة الكازاخية بالتواطؤ مع روسيا “من مسألة إدخال إرهابيين عن سابق إصرار وتصميم، ليسوّغوا لأنفسهم قمع الاحتجاجات أمام المجتمع الدولي”، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى “ليدخل الروس بسلاسة إلى كازاخستان، ليس لمهمة محدودة بتوقيت معيّن، إنما ليبقوا فيها ويبدأ طموح تأسيس تكتل روسي جديد بالتبلور”.

ولكن، بينما تشكل كازاخستان جزءاً من منظمة معاهدة الأمن الجماعي، تحتفظ بمكانتها أيضاً في منظمة الدول التركية بقيادة تركيا، التي أكدت منذ اليوم الأول للأحداث دعمها التامّ لكازاخستان وتسخير كل إمكانياتها لصالحها في سبيل إعادة الأمن والاستقرار.

بهذا الشكل تقع كازاخستان في مربّع واحد يقوده أو على الأقل يؤثر فيه بالوقت نفسه كلٌّ من تركيا وروسيا، فكيف ستتعامل كازاخستان مع ازدواجية موقعها؟ وكيف ستتعامل تركيا وروسيا مع هذه الازدواجية؟

في إجابة عن هذا السؤال، قال المحلل السياسي يوسف كاتب أوغلو لـ”وكالة أنباء تركيا”، إن “تركيا أزعجت روسيا بمنظمة الدول التكرية ودور تركيا الصاعد في العديد من الملقات ضد المواقف الروسية، سواء كان سوريا أو ليبيا أو أزربيجان”.

ورأى أن “ما يحدث في كازاخستان يشكل تهديداً أو امتحاناً لمدى قوة اتحاد الدول الناطقة بالتركية على مقاومة التهديدات الخارجية وتحديداً روسيا”.

وتابع أن “روسيا مساءة جداً من الدور المتنامي لتركيا مع هذه الدول التي تعتبرها حديقتها الخلفية”، وتساءل “لماذا الآن؟ ولماذا التدخل الروسي العسكري وليس الدبلوماسي؟”

ورأى أن “القضية تبدو كما لو أنه تم ترتيبها بسرعة لتنفيذ تدخل عسكري سريع.. وتصريحات الرئيس الكازاخي تدل على محاولة إشعال المنطقة أكثر وتنمّ عن عدم الحكمة بالتصرّف”.

وفي إجابة حول سؤال لماذا لم تطلب كازاخستان التدخل العسكري التركي بدل الروسي، قال كاتب أوغلو إن “ذلك غير وارد لأن الرئيس الكازاخي ونظامه هما امتداد لروسيا، وهو أدخل روسيا لتجيير الأحاث لصالحها وإسباغ شرعية على تدخّلها العسكري”.

وأضاف أن “تركيا لا يمكن أن تتصرف إلا ضمن القوانين الدولية التي يتبعها المجتمع الدولي، وهذا الأمر هو الذي يحكم تركيا في علاقاتها مع دول الجوار أو مع غيرها من الملفات”.

من جانبه، رأى الكاتب والمحلل السياسي مهنّد حافظ أوغلو لـ”وكالة أنباء تركيا”، إن “أنقرة تحاول إحداث توازن في التطورات المفاجئة في كازاخستان، توازنٌ يبدو أنه صعب جداً بحكم وجود العامل الروسيّ الذي لا  يريد أن يخرج بموقف المنحسر ثقلُه في دولٍ كانت يوماً ما تابعة لإمبراطورية الاتحاد السوفياتي”.

وتابع “لا سيّما أن التدخل التركي في قره باغ ليس ببعيد، والذي قلب الكفة لصالح أذربيجان في مواجهة أرمينيا، حليفة موسكو، من جهة، وسعي روسيا إلى تثبيت قطبيّتها سياسياً وعسكريا على الساحة الدولية في ظل تراجع وتخبط واشنطن في عدة ملفات دولية، من جهة أخرى”.

وأضاف حافظ أوغلو أن “العامل الأهمّ هنا هو تنسيقٌ وراء الأبواب المغلقة بين كازاخستان وروسيا في فرض الأمن وعدم الذهاب إلى سيناريو قد يكلف منطقة القوقاز كلّها ثمناً باهظاً، من خلال ترقّب الدول المجاورة للموقف داخلياً في كازاخستان، والذي قد يشبه الربيع العربي الذي بدأ بدولة ثم امتدّت نيرانه إلى دول عدة، وهنا ربما يصل هذا القلق إلى روسيا نفسها”!

وأشار حافظ أوغلو إلى أن “أنقرة ترسل رسائل دعم للعاصمة الكازاخية نور سلطان، بأنها جاهزة لأيّ دعم تحتاجه، ولكن بحكم قرب روسيا الجغرافيّ من كازاخستان من جهة، والتنسيق المباشر ربما قبل حتى أن يشتعل الشارع الكازاخي من جهة أخرى، منح موسكو الثقل الأكبر في الأحداث هناك”.

وختم حافظ أوغلو بالقول إن “الحقبة الدولية الجديدة التي فرضت نفسها اقتصادياً وسياسياً، جعلت التوازنات العسكرية تأخذ منحىً مختلفاً في التعامل مع أي تحركات داخلية في أي بقعة جغرافية كانت”.

وكانت الساحة الكازاخية قد شهدت تطورات متسارعة منذ 2 كانون الثاني/يناير الجاري، بدأت باحتجاجات شعبية على ارتفاع أسعار الغاز المسال، لتتحوّل سريعاً إلى أعمال نهب وسرقة وجرائم نفذها مَن قيل إنهم إرهابيون مدعومون من الخارج لتنفيذ أجندات غربية تستهدف شغل روسيا عن الساحة الأوكرانية.

خلال أيام قليلة استقالت الحكومة وفرضت حالة الطوارئ القصوى، وأعطى الرئيس الكازاخي قاسم توكايييف، أوامره بالقتل المباشر والفوري لمن اتهمهم بالإرهاب، ما أسفر عن مئات القتلى وآلاف الجرحى، ثم استدعى القوات الروسية في إطار منظمة معاهدة الأمن الجماعي.

فما هي إلا ساعات حتى دخل 5000 جندي روسي الأراضي الكازاخية في مهمّة مستعجلة أثارت التساؤلات الدولية، هل سيخرج الجنود الروس بسرعة تماماً كما دخلوا؟ أم أنهم لم يدخلوا ليخرجوا بهذه السهولة؟

وعلى الصعيد الدبلوماسي، انعقد الثلاثاء 11 كانون الثاني/يناير 2022، اجتماعان مهمّان لبحث القضية الكازاخية، عبر تقنية الفيديو كونفرنس.

الأول كان ضمن منظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا، التي أكد رئيسها أنها لن تسمح بثورات ملوّنة في منطقة آسيا الوسطى، وأنها ستتابع مهمتها حتى إتمامها، في مقابل تأكيد الرئيس الكازاخي أن الروس سيغادرون خلال يومين، الأمر الذي شكل إبهاماً وتعارضاً في المفاهيم، فما هي المهمة التي لن يخرج الروس قبل إتمامها؟! إن كان إعادة الأمن والاستقرار، فقد تم بالفعل!

أما الاجتماع الثاني فجمع وزراء خارجية منظمة الدول التركية، بدعوة من تركيا، وقد شدد البيان الختامي للاجتماع التركي على الدعم الكامل والاستعداد التام لتقديم كل الإمكانات لمساعدة كازاخستان على تجاوز أزمتها، بما في ذلك دعم الإصلاحات التي تحدث عنها رئيسها، وصولاً لتحقيق استقرارها ورفاهيتها الذين يرتبطان مباشرة باستقرار ورفاهية المنطقة ككل.

زر الذهاب إلى الأعلى