تشهد العاصمة القطرية الدوحة، في وقت لاحق اليوم الإثنين، انعقاد قمة عربية ـ إسلامية طارئة، وُصفت أنها من أكثر الاجتماعات حساسية في تاريخ المنطقة الحديث، وذلك في أعقاب اعتداء الاحتلال الإسرائيلي غير المسبوق على قطر.
تأتي هذه القمة في توقيت بالغ الدقة، يفرض على المجتمعين تجاوز حدود بيانات الشجب والإدانة، والانتقال إلى خطوات عملية تشكّل فارقاً في ميزان القوة، وتضع حداً للسياسات الإسرائيلية التي تجاوزت كل الخطوط الحمراء.
منذ أكثر من عشرين عاماً، ظلّت “مبادرة السلام العربية” التي أُقرت في قمة بيروت عام 2002 تمثّل الإطار الجامع للرؤية العربية تجاه الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي.
غير أنّ التجربة أثبتت أن هذه المبادرة لم تجد طريقها إلى التطبيق، بعدما أسقطتها إسرائيل فعلياً، مدعومة بمواقف أميركية لم تمنحها أي فرصة للنجاح. ومع استمرار الاحتلال في حروبه ضد الشعب الفلسطيني، وحرمانه من أبسط حقوقه في إقامة دولته المستقلة، بدا واضحاً أن المبادرة العربية لم تعد أكثر من وثيقة محفوظة في الأدراج.
وقال الكاتب والمحلل السياسي، محمد ياسين نجار لـ “وكالة أنباء تركيا”، “تُعقد القمة الطارئة في الدوحة في ظل سابقة خطيرة تتمثل في استهداف إسرائيل لدولة عربية غير مجاورة لها، ولم يسبق لها أن قامت بأي اعتداء أو حرضت عليه، بالإضافة إلى العدوان المتكرر على سوريا، رغم الحديث عن تفعيل معاهدة فض الاشتباك عام 1974، مما يرفع سقف التوقعات”.
وأضاف “يُنتظر من القمة الخروج بموقف موحد يتجاوز الإدانات، ويشمل إجراءات دبلوماسية واقتصادية رادعة. المطلوب عربيًا وإقليميًا هو تفعيل آليات الدفاع المشترك والضغط الدولي لمحاسبة إسرائيل، لما تملكه الدول من مقدرات مهمة”.
وتابع “أما ما يمنع تحقيق موقف عربي موحد، فيعود إلى الانقسامات السياسية وهشاشة الوضع العربي خصوصًا، وتفاوت أولويات الدول، بالإضافة إلى الارتباطات الإقليمية والدولية المختلفة التي تحد من قدرة الدول على اتخاذ قرار جماعي حاسم”.
من “الأرض مقابل السلام” إلى فرض القوة
عمل الاحتلال الإسرائيلي، خلال العقدين الماضيين، على نسف أي أساس للتسوية، فقد أجهضت صيغة “الأرض مقابل السلام”، وذهبت أبعد من ذلك حين تجاهلت كلياً مبادرة السلام العربية.
واليوم، مع حكومة رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي اليمينية، يتضح أن الاحتلال الإسرائيلي لم تعد معنية لا بمسارات تسوية، ولا حتى بالاتفاقات الإبراهيمية التي روّج لها سابقاً، بل باتت ينظر إلى نفسه كـ”شرطي المنطقة” وصاحب القرار الأوحد في قضايا الأمن والسياسة والاقتصاد.
تتحدث تقارير ديبلوماسية عن أن الاحتلال الإسرائيلي لم يعد يعرض على الأطراف الإقليمية سوى ترتيبات أمنية وعسكرية من صياغته هو، من دون أي التزام متبادل أو ضمانات لاحترام سيادة الدول، بل إنه يحتفظ بحق تنفيذ ضربات عسكرية أو عمليات توغل في أي مكان وزمان يراه مناسباً.
استهداف قلب الخليج
مع توسع الحرب من غزة إلى الضفة الغربية، ثم إلى لبنان وسوريا واليمن وإيران، بدا أن الاحتلال الإسرائيلي انتقل إلى مرحلة أخطر باستهدافه العاصمة القطرية الدوحة، في سابقة خطيرة على مستوى العلاقات الدولية.
هذا التطور، الذي اعتُبر “جنوناً سياسياً” وفق توصيف عدد من المراقبين، عكس غروراً إسرائيلياً وصل إلى حد ضرب دولة حليفة لواشنطن، ومرتبطة بتحالفات استراتيجية كبرى في الخليج.
بهذا السلوك، لا يكتفي الاحتلال الإسرائيلي بإسقاط المبادرات السابقة، بل يعلن عملياً نهاية مسار الاتفاقات الإبراهيمية، فهو لم تعد بحاجة إلى اعترافات أو معاهدات، بل يسعى إلى فرض واقع جديد يتحكم فيه وحده، مستنداً إلى قوته العسكرية، ومستهيناً بالمجتمع الدولي.
انهيار معاهدات السلام
لم تسلم أي من الاتفاقيات التاريخية مع إسرائيل من الانهيار أو الانتهاك، فقد هددت اتفاقية كامب ديفيد عملياً حين دفعت بجيشها إلى رفح، ووضعت الأمن القومي المصري في دائرة الخطر عبر مشروع تهجير الفلسطينيين إلى سيناء.
أما مع الأردن، فقد أضعفت اتفاقية وادي عربة من خلال التوسع الاستيطاني ومشاريعها في غور الأردن، إلى جانب طموحاتها لتهجير فلسطينيي الضفة الغربية نحو الأردن.
ومع لبنان وسوريا، فإن الاحتلال يتصرف خارج أي التفاهمات السابقة، فيما وصلت الاعتداءات إلى قلب الخليج.
قمة الدوحة: بين التحدي والفرصة
أمام هذا الواقع، تفرض قمة الدوحة الطارئة نفسها كمنعطف محوري، فالتحديات كبيرة، والخيارات المطروحة أمام القادة العرب والمسلمين لا بد أن تتجاوز سقف الإدانة اللفظية. المطلوب هذه المرة، وفق خبراء ومحللين، هو خطوات عملية، من أبرزها:
- تجميد العلاقات مع الاحتلال الإسرائيلي على مختلف المستويات، بما في ذلك السياسية والاقتصادية والأمنية.
- تعليق أو وقف مسارات التفاوض التي يستغلها الاحتلال الإسرائيلي لشراء الوقت وتكريس وقائع جديدة على الأرض.
- إطلاق مشروع تكامل إقليمي يشمل بناء منظومة دفاعية عسكرية وأمنية مشتركة.
- تأسيس شراكات اقتصادية استراتيجية تعزز من التشابك بين اقتصادات المنطقة في مجالات الطاقة، والاتصالات، والتكنولوجيا، والصناعة.
رؤية استراتيجية جديدة
يرى مراقبون أن الرد الفعّال على التهديد الإسرائيلي يتطلب من العرب والمسلمين بلورة رؤية استراتيجية تكاملية، تُعيد صياغة العلاقات بين دول المنطقة، وتبني شبكة مصالح متبادلة تضعف من قدرة الاحتلال الإسرائيلي على المناورة أو الابتزاز.
هذه الرؤية لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى إنشاء منظومات اقتصادية وتجارية وصناعية مشتركة، تجعل من الصعب على أي قوة خارجية وفي مقدمتها الاحتلال الإسرائيلي التحكم بمسارات التنمية في المنطقة.
كما أن العمل على توحيد المواقف العربية والإسلامية من شأنه أن يُرسل رسالة قوية للمجتمع الدولي، بأن الدول المعنية لن تقبل بعد الآن بأن تكون مجرد ساحات اختبار للآلة العسكرية الإسرائيلية، أو أن تتحمل وحدها كلفة الانتهاكات.
وقال الكاتب والمحلل السياسي، طلال المصطفى لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “القمة العربية الإسلامية المقبلة في الدوحة تعكس خطورة استهداف الدوحة وضرورة تبني موقف جماعي، لكن من المتوقع أن تظل قرارات هذه القمة في إطار الإدانة والدعوات الدبلوماسية، دون اتخاذ إجراءات عسكرية أو سياسية أو غيرها رادعة وملموسة”.
وأضاف أن “المطلوب عربيًا وإسلاميًا الانتقال من بيانات الشجب إلى سياسات ضغط اقتصادية وقانونية وسياسية. وما يعيق تشكيل موقف عربي موحد هو الانقسام السياسي العربي وتضارب المصالح الإقليمية”.
ماذا بعد؟
السؤال المطروح بقوة: هل تنجح قمة الدوحة في توحيد الصف العربي والإسلامي؟، إذ أن التجارب السابقة لا تدعو إلى التفاؤل، لكن حجم التحدي اليوم يفرض على القادة التفكير خارج الأطر التقليدية.
فاستهداف قطر الدولة ذات الحضور السياسي والإعلامي البارز، والشريك الاستراتيجي للغرب، شكّل جرس إنذار بأن النار الإسرائيلية لم تعد مقتصرة على فلسطين أو دول الطوق، بل وصلت إلى قلب الخليج.
من هنا، فإن المطلوب بعد قمة الدوحة ليس أقل من صياغة موقف ردعي موحّد، يضع خطوطاً حمراء أمام الاحتلال الإسرائيلي، ويؤسس لمرحلة جديدة من العمل العربي والإسلامي المشترك. فإما أن تخرج القمة بقرارات تعكس جدية غير مسبوقة، أو تبقى المنطقة رهينة لمعادلات القوة الإسرائيلية، التي لا ترى في العرب سوى فراغ استراتيجي يمكن ملؤه بالقوة والغطرسة.
القمة الاستثنائية في الدوحة ليست مجرد اجتماع بروتوكولي؛ بل اختبار حقيقي لقدرة الأمة على الدفاع عن أمنها القومي وكرامتها، في مواجهة مشروع إسرائيلي يهدد وجودها ومستقبلها بأسره.
