
يبدأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، اليوم الثلاثاء، جولة خليجية تشمل ثلاث محطات رئيسية: الكويت، قطر، وسلطنة عُمان، في زيارة توصف بأنها “مكثّفة وحسّاسة التوقيت”، وتحمل أبعاداً سياسية واقتصادية وأمنية متشابكة، في ظل تحولات إقليمية تشهدها المنطقة، خاصة بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وتزايد الحاجة لتنسيق الجهود الإنسانية والاقتصادية في مرحلة ما بعد الحرب.
تعميق الشراكات وتثبيت الدور التركي
تسعى أنقرة من خلال الجولة، بحسب بيان الرئاسة التركية، إلى “اتخاذ خطوات جديدة لتعميق التعاون في مجالات الدفاع والطاقة والاستثمار”، وهي ملفات باتت تمثل ركائز أساسية في السياسة الخارجية التركية خلال السنوات الأخيرة.
وقال رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، برهان الدين دوران، في بيان، إن جولة أردوغان “ستشهد تقييماً شاملاً للعلاقات الثنائية بكافة أبعادها، وبحث سبل تطوير التعاون القائم بين أنقرة والعواصم الخليجية الثلاث”.
ويأتي ذلك في وقت تشهد فيه العلاقات التركية – الخليجية زخماً متصاعداً، تُوّج خلال العامين الماضيين بتوقيع اتفاقيات استثمارية كبرى مع السعودية والإمارات وقطر، وسط سعي تركي واضح لترسيخ الشراكات الاستراتيجية مع دول الخليج كمركز ثقل سياسي واقتصادي في المنطقة.
المحطة الأولى: الكويت.. دعم إنساني وتجاري
تبدأ الجولة من الكويت، حيث يلتقي أردوغان بأمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، لبحث العلاقات الثنائية وسبل تطوير التعاون التجاري، إضافة إلى مناقشة الملف الإنساني في غزة وتنسيق الجهود لدعم مسار وقف إطلاق النار.
وتحمل الزيارة إلى الكويت بعداً إنسانياً وسياسياً، إذ تشترك الدولتان في الدعوة لتفعيل الدبلوماسية الإنسانية ودعم جهود الإغاثة، وهو ما أكده أردوغان في أكثر من مناسبة خلال الأسابيع الماضية، بالتأكيد على “ضرورة تضميد جراح غزة والنهوض بها سريعاً”.
المحطة الثانية: قطر.. محور التعاون الاستراتيجي
من الكويت، يتوجه أردوغان إلى الدوحة، في زيارة تحمل طابعاً استراتيجياً، إذ يلتقي بأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ويرأس الجانب التركي في الاجتماع الحادي عشر للجنة الاستراتيجية العليا المشتركة بين البلدين.
وأوضح السفير التركي لدى قطر، مصطفى كوكصو، أن الزيارة ستشهد توقيع “عدد من الاتفاقيات في مجالات الدفاع والتجارة والاستثمار والتعليم والطاقة والاستدامة البيئية”، إضافة إلى تعزيز المشاريع المشتركة في مجالات الصحة والثقافة.
وتأتي زيارة الدوحة بعد شهر واحد من زيارة تضامنية قام بها أردوغان إلى قطر، عقب الهجوم الإسرائيلي الذي استهدف منشآت في الدوحة، ما يمنح هذه الزيارة بُعداً أمنياً وسياسياً مضاعفاً.
كما تراهن أنقرة على أن اللجنة الاستراتيجية العليا ستسهم في تطوير التكامل الاقتصادي بين البلدين، خاصة أن الاستثمارات القطرية في تركيا تجاوزت 20 مليار دولار حتى عام 2024، وتشمل قطاعات حيوية كالبناء والسياحة والطاقة.
المحطة الثالثة: عُمان.. اقتصاد واستقرار
تختتم الجولة الخليجية بزيارة سلطنة عُمان، حيث يلتقي أردوغان بالسلطان هيثم بن طارق آل سعيد، لبحث التعاون الاقتصادي وملفات التطورات الإقليمية.
وتولي تركيا أهمية خاصة لعُمان باعتبارها طرفاً متوازناً في السياسة الإقليمية، وذات خبرة في الوساطة، ما يجعل التنسيق معها مهماً في ظل الأزمات الممتدة في الشرق الأوسط، من اليمن إلى غزة، وصولاً إلى ملفات الملاحة في البحر الأحمر والخليج العربي.
البعد الأمني.. قراءة في التوقيت والدلالات
يرى الباحث السياسي رشيد حوراني أن “الزيارة الخليجية تأتي في توقيت بالغ الحساسية، حيث تشهد المنطقة تحولات أمنية وتحالفات جديدة تتناسب مع حجم التحديات الراهنة”.
ويضيف في حديثه لـ”وكالة أنباء تركيا”، أن “تركيا تسعى إلى توطيد شراكاتها مع الدول العربية في الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية، مدفوعة بروابط دينية وتاريخية عميقة، وبهدف ترسيخ حضورها كقوة إقليمية مؤثرة”.
ويشير حوراني إلى أن “الطابع الأمني هو الذي سيطغى على الزيارة، خصوصاً بعد استهداف إسرائيل لقطر، وما لذلك من انعكاسات على أمن المنطقة، فتركيا تمتلك قاعدة عسكرية في قطر وتنتشر قواعدها في دول أخرى، وقد أثبتت تدخلاتها العسكرية نجاحها في تحقيق أهدافها الاستراتيجية”.
ويتابع الباحث أن أنقرة “قد تسعى خلال هذه الجولة إلى ملء الفراغ الأمني والسياسي الذي خلفته أزمات المنطقة، عبر بناء منظومة تعاون جديدة تتجاوز الاصطفافات التقليدية، وتجمع بين الأمن والتنمية في آن واحد”.
دعم غزة.. البعد الإنساني والسياسي
وفي سياق متصل، يواصل أردوغان التأكيد على موقف تركيا الداعم لغزة، إذ قال مؤخراً خلال منتدى الاقتصاد التركي الإفريقي في ولاية إسطنبول إن “غزة بحاجة ماسة لتضميد جراحها سريعاً، وإن تركيا تبذل جهوداً كبيرة لضمان استدامة اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل”.
كما شدد أردوغان على أن “تركيا تتابع المجريات على الأرض بيقظة تامة نظراً لسجل إسرائيل السيئ”، مشيداً بموقف الدول الإفريقية التي وقفت إلى جانب غزة ورفعت دعوى إبادة جماعية ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية.
هذا الخطاب الإنساني – السياسي، ينسجم مع طبيعة الجولة الخليجية، التي يُنتظر أن تضع غزة في صدارة أجندتها، سواء من حيث تنسيق المساعدات أو الدفع نحو تثبيت الهدوء في القطاع.
زيارة تحمل أهمية خاصة
من جهته، قال الباحث في مركز جسور للدراسات، محمد سليمان في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “هذه الزيارة تأتي في ظل ظروف إقليمية معقدة تمر بها منطقة الشرق الأوسط، نتيجة تراكم الأزمات السياسية والاقتصادية الناجمة عن صراعات السنوات الماضية وهو ما جعل العديد من اقتصادات الدول تحت التهديد”.
وأضاف “تحمل الزيارة التركية أهمية خاصة، إذ من المتوقع أن تناقش ملفات متعددة للتعاون المشترك، في مقدمتها الجوانب الاقتصادية، من خلال السعي لتوقيع اتفاقيات وشراكات تسهم في تحقيق قدر من الاستقرار الاقتصادي في المنطقة”.
وزاد موضحاً، أن “تركيا باعتبارها جسراً بين الغرب والعالم العربي تمتلك علاقات راسخة مع العديد من دول الإقليم وتتميز بتقدم صناعي كبير يجعلها شريكاً مهماً للدول العربية الساعية لتقليل اعتمادها على الغرب”.
وتابع “أما على المستوى السياسي، فستتناول الزيارة ملفات حساسة أبرزها العلاقات التركية الخليجية وتطورات الوضع في فلسطين وسوريا، إضافة إلى التهديدات الإسرائيلية الأخيرة تجاه قطر، ما يفتح المجال أمام تنسيق سياسي أوسع”.
وختم قائلاً “قد تكون هذه الزيارة بداية لمسار من اللقاءات والتفاهمات التي قد تفضي إلى بناء تحالفات وشراكات استراتيجية بين تركيا ودول الخليج، تعزز من أمن المنطقة واستقرارها الاقتصادي”.
خاتمة: نحو هندسة جديدة للعلاقات الإقليمية
تبدو جولة أردوغان الخليجية بمثابة اختبار جديد للدور التركي المتصاعد في الشرق الأوسط، بين محاولات بناء شبكة تحالفات اقتصادية وأمنية مرنة، وبين السعي لترسيخ الحضور في القضايا العربية الكبرى، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وبينما تحمل الجولة أبعاداً اقتصادية واضحة، فإنها في جوهرها تؤكد أن أنقرة تتحرك وفق رؤية استراتيجية متكاملة: الاقتصاد في خدمة السياسة، والسياسة في خدمة النفوذ الإقليمي، حسب مراقبين.







