أكّدت خطبة الجمعة اليوم، في عموم مساجد تركيا على قدسية الوطن كأمانة ومسؤولية دينية وإنسانية، وربطت بين التضحية في سبيله وبين معاني الإيمان والشهادة في سبيل الله. وأشارت الخطبة إلى دور الجيش كحامٍ للوطن ورمزٍ للعزة والكرامة، مستحضرةً تضحيات الشهداء قديمًا وحديثًا، ومن بينهم ضحايا حادث الطائرة الأخير.
كما أفادت الخطبة بأن الوفاء للوطن ووحدته وقيَمه الوطنية والروحية هو “دينٌ في الأعناق”، داعيةً إلى التمسك بالتكاتف ونبذ الفتنة، في ظل التحديات الراهنة التي تستدعي اليقظة والمسؤولية الجماعية.
خطبة الجمعة:
إن الوطن ليس مجرد قطعة أرض بالنسبة إلينا، بل هو رمز استقلالنا، وأمانة مقدسة خلفها لنا أجدادنا العظام. إنه الوطن الذي تصدى فيه شعبنا البطل لكل عدوان آثم، الذي قدم في سبيله الروح والحبيب وكل ما يملك، الوطن الذي نال فيه المجاهدون شرف البطولة، وارتوى فيه الشهداء من كأس الشهادة ومضوا إلى ربهم راضين.هو الوطن الذي نحيا فيه بالأمن والطمأنينة، ونذوق فيه شرف الحرية، ونحمل فيه أمل المستقبل، هو أرض العلماء والحكماء والأولياء والصالحين.
عندما يذكر “الوطن”، فإن من واجبنا جميعا أن نستذكر جيشنا البطل وجنودنا الأشاوس الذين يندفعون إلى الأمام وينسون كل شيء في سبيله.
ذلك البطل الذي نطلق عليه اسم “محمدجيك” تيمنا باسم أشرف الخلق رسولنا الكريم ينتمي إلى معسكر النبي العظيم فهو قوي، جريء، ذكي، ماهر، وشجاع لا يعرف الخوف، يريد دائما أن يكون في الصفوف الأمامية؛ لا يتوقف أبدا، ولا يعرف معنى التوقف، يواجه كل أنواع الصعوبات وهو يركض من جبهة إلى أخرى، ويضع محبة الوطن دائما في المقدمة، ويقول “ليحي الوطن”، “يكفي أن يبقى الوطن سالما”.
وكما قال الشاعر: ليست قمة الشهداء خالية، فترابها ينتظر الأبطال حماة وحماة؛ وليرفرف لواء فوقها عزيز، فالريح تترقب الإشارة للبدء في النبض والحياة.
ملحمة الجندي المجهول يتيمة، وصمته العميق يمتد في المدى بلا نهاية؛ غير أن ضريحه قد لاق بهذا الثغر المبارك، فالأرض التي يرقد فيها معلومة، والراية التي حملها معلومة، فمن قال إنه جندي مجهول الهوية؟.
يصف القرآن الكريم أولئك الذين سقطوا في الأرض بإيمان وعشق، هؤلاء الأبطال الذين لا يتركون تلة الشهداء خالية، بقوله تعالى “ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون”.
إن جيشنا البطل، الذي يسعى لنيل بشرى الله تعالى، قد نسي الزمان والمكان، ليحول الليل إلى نهار، والنهار إلى ليل، ويواصل المسير.
إن جندينا اليوم يخوض معركة عظيمة بدمه وروحه وكل ما يملك، ليس فقط داخل حدود وطننا، بل في كل مكان تطأ فيه قدماه؛ في ما وراء الحدود، في جغرافيا قلوبنا، في كل ركن يتردد فيه صوت الغريب وصيحة المظلوم، تصان كرامة الإنسان وعفته وشرفه من أن تداس بالأقدام. إنها معركة إنسانية عظيمة، حتى إن كتابنا العظيم يبث الأمل في نفوس هؤلاء الجنود المباركين، في جيش الإسلام الأخير، في جنودنا الأبطال، بقوله تعالى “ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون ان كنتم مؤمن۪ين”.
ويجعلهم موضع دعاء المظلومين في الأرض. لقد عبر الشاعر عن ذلك بأجمل تعبير فقال: هذا الذي هب إعصارا هو جيش الترك يا رباه، هذا هو الجيش الذي يفنى فداء لك، يا رباه، حتى يعلو اسمك المؤيد في الآفاق بالأذان، فانصره، فهو آخر جيوش الإسلام في الميدان.
إن الوفاء بمسؤولياتنا على أكمل وجه من أجل وحدة دولتنا، وبقاء وطننا، وسلامة أمتنا، والتمسك بقيمنا الوطنية والروحية التي أسست لنا الحضارات وقادتنا من نصر إلى نصر، ونقل هذه القيم إلى الأجيال القادمة، وعدم الإخلال بوحدتنا وتكاتفنا، والبقاء يقظين تجاه من يسعى لبذر بذور الفتنة والفساد بيننا، وعدم التفريط في أخوتنا، هو دين في أعناقنا.
وبهذه المناسبة، أستذكر بالرحمة والعرفان والشكر شهداءنا الأبرار الذين ضحوا بأرواحهم من أجل وطن نعيش فيه بحرية، منذ بدر إلى ملاذكرد، ومن فتح إسطنبول إلى جناق قلعة، ومن حرب الاستقلال إلى الخامس عشر من يوليو، ومنذ اليوم الأول الذي أشرقت فيه أنوار كلمة التوحيد على أمتنا العزيزة ودولتنا المباركة أولئك الذين ضحوا بحياتهم بحبهم لإعلاء كلمة الله ومن أجل وطن نعيش فيه بحرية.
وكذلك أستذكر شهداءنا الأعزاء الذين ارتقوا في حادث الطائرة الأليم الذي وقع يوم الثلاثاء الماضي، وأبطالنا من الجرحى الذين انتقلوا إلى الرفيق الأعلى، وكبار رجال الدولة، سائلا الله لهم الرحمة والمغفرة. حفظ الله أمتنا، وأدام دولتنا عزيزة شامخة إلى الأبد.
وأود أن أختم خطبتي ببشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم “عينان لا تمسهما النار: عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله”.
