تقاريرهام

البرهان في تركيا.. تحركات دبلوماسية لإعادة رسم مسار الوضع في السودان (تقرير)

في زيارة رسمية مفصلية للعاصمة التركية أنقرة، استقبل الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، في 25 ديسمبر/كانون الأول 2025، رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني وقائد الجيش، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، في مجمع الرئاسة التركية لمباحثات شاملة تناولت العلاقات الثنائية وأبرز التحديات الإقليمية والدولية، لا سيما الصراع الدائر في السودان ومحاولة إيجاد أفق سلام دائم للأزمة التي تمتد منذ أكثر من عامين، في وقت تشهد فيه معارك عنيفة على الأرض ومخططات متعددة لحل الأزمة.

أهمية وأبعاد الزيارة في توقيتها الراهن

تكتسب الزيارة التي يقوم بها البرهان لتركيا أهمية استثنائية لأسباب متعددة سياسية واستراتيجية وإنسانية، تحاكي التطورات المتسارعة في المشهد السوداني والإقليمي:

●    تعزيز الدور التركي في محاولة إنهاء الحرب وتحقيق وقف إطلاق النار

تركيا تسعى عبر هذه الزيارة لأن تكون طرفًا فعالًا في مساعي إنهاء الحرب في السودان، التي بدأت في نيسان/أبريل 2023 إثر صراع مفتوح بين الجيش وقوات الدعم السريع. يُمثل هذا النزاع واحدًا من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم حاليًا، مع عشرات الآلاف من القتلى والمشردين والمحتاجين إلى مساعدات عاجلة.

خلال الاجتماع، شدد أردوغان على أن الحرب تسببت في انتهاكات ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية، خصوصًا في منطقة الفاشر، مؤكدًا على ضرورة اتخاذ خطوات حاسمة لوقفها.

كما أعرب عن رغبة تركيا في تحقيق الأمن والاستقرار والحفاظ على وحدة السودان وسلامة أراضيه، مع التأكيد على أن الهدف النهائي يتمثل في وقف إطلاق النار وإرساء سلام دائم بين السودانيين.

الزيارة تأتي في ظل مبادرات دولية وإقليمية متعددة، مثل الجهود الأمريكية والخليجية لمحاولة التوصل إلى هدنة أو وقف إنساني، وهو ما أشار إليه كبار المستشارين الأمريكيين في تصريحات متزامنة مع الزيارة، مؤكدين على توافقات قوية بين واشنطن والرياض في هذا الصدد.

●    دخول أنقرة بشكل أعمق ضمن الحلول السياسية لإنهاء الأزمة

تضع أنقرة نفسها في موقع شريك سياسي محوري يمكن أن يدفع باتجاه حلول تفاوضية، مستندة إلى علاقات ثنائية قوية مع الخرطوم وتاريخ من اللقاءات المتكررة بين الطرفين. فقد سبقت هذه الزيارة جولات خارجية مماثلة للبرهان، شملت السعودية ومصر وقطر، في إطار جهد مستمر لتوسيع التحالفات الدبلوماسية.

ويتعامل جزء من المراقبين مع زيارة أنقرة كخطوة لتعميق الاتفاقات القائمة وتفعيلها، خاصة المتعلقة بالملفات الأمنية والاقتصادية، التي جرى طرحها في زيارات سابقة للبرهان وأردوغان خلال عام 2025، بما في ذلك خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي وسلسلة لقاءات عقدت في أنقرة.

●    تعزيز العلاقات الثنائية الشاملة بين السودان وتركيا

لم تقتصر مباحثات الزعيمين على الملف الأمني فحسب، بل شملت أيضًا آفاق التعاون الاقتصادي والاستثماري، في محاور واسعة تشمل:

  • التجارة
  • الزراعة
  • الصناعات الدفاعية
  • التعدين

وأكد أردوغان أن تركيا مصممة على تطوير التعاون في هذه المجالات الحيوية، ما يعكس رغبة مشتركة لدى الطرفين في تعميق الشراكة الاستراتيجية من أجل مصالح طويلة الأجل، تتجاوز إطار الأزمة الحالية.

ويرى بعض المراقبين أن تعزيز التعاون الاقتصادي يمكن أن يكون رافعة قوية للتنسيق السياسي في وقت تراجع فيه قدرات الاقتصاد السوداني نتيجة الحرب، ما يجعل الدعم الخارجي – بما في ذلك التركي – حيويًا لإعادة الإعمار وتنشيط الاقتصاد.

تركيا كطرف إقليمي فاعل في ملف السودان

تأتي زيارة البرهان في وقت تحاول فيه أنقرة استعادة حضورها الدبلوماسي الفاعل في القضايا الإقليمية الكبرى، بعد ما وصفه المحللون بتقارب متزايد بين القوى الإقليمية والدولية، التي تتسابق لإحداث تأثير في الأزمة السودانية.

المحللون يرون أن الدور التركي، بخلاف الدور الخليجي أو الأمريكي، يقدم منظورًا متوازنًا كونه يجمع بين الضغط على كل الأطراف لإنهاء النزاع والمساعدة في إعادة الإعمار، فضلاً عن العلاقات التاريخية التي تربط البلدين منذ عقود، وهو ما جعله طرفًا مفضلًا لدى بعض القيادات في الخرطوم.

وقد أثير جدل سياسي في الأوساط السودانية حول ما إذا كانت الزيارة تشكل تحركًا سياسيًا لتغيير مسار الحرب، أو خطوة بروتوكولية لتعزيز التعاون الاعتيادي، لكن الأغلب يعتقد أنها تحمل أبعادًا أوسع خصوصًا في ظل تفاقم المعارك في مناطق مثل دارفور وشمال كردفان.

السياق الإقليمي والأهمية الاستراتيجية

تجسد زيارة البرهان إلى تركيا في هذا التوقيت تحركًا استراتيجيًا في خضم صراع إقليمي ودولي حول مصير السودان. فهي تأتي بعد سلسلة من الاتصالات والزيارات الرسمية التي قام بها قائد الجيش السوداني للدول المحورية في المنطقة، بما في ذلك السعودية ومصر وقطر، ما يعكس إعادة ترتيب للأولويات والتحالفات في ظل الحرب المستمرة.

ويعكس ذلك حرص السودان على إيجاد دعائم دبلوماسية قوية في مواجهة تحديات أمنية وسياسية معقدة، حتى في ظل انتقادات تتعلق بسياسات الحكومة تجاه بعض الخصوم الداخليين والخارجيين.

أما أن أبعاد الزيارة تتقاطع مع محاولات متعددة لإعادة تفعيل اتفاقيات تاريخية، سواء على مستوى التعاون الثنائي أو الدفاع المشترك، وهو ما يُعد رسالة قوية من الخرطوم إلى المحيط الإقليمي والدولي بقدرتهم على لعب أدوار ملموسة في مستقبل السودان، رغم الظروف الصعبة.

زيارة عبد الفتاح البرهان إلى تركيا في 25 ديسمبر 2025 تمثل مرحلة جديدة في العلاقات السودانية – التركية، وتأتي في توقيت حاسم تعصف فيه الحرب بمعظم أنحاء السودان، وتزيد فيه الحاجة إلى شراكات دولية تُسهم في تحقيق وقف إطلاق النار، والاستقرار والسلام الشامل. وتشكل هذه الزيارة محورًا مهمًا في الجهد الدبلوماسي المتنامي الذي يقوده السودان وحلفاؤه لإنهاء الأزمة، كما تقول مصادر وتحليلات متعددة، في وقت تتقاطع فيه المصالح الإقليمية والدولية حول مستقبل السودان.

زر الذهاب إلى الأعلى