
أثارت تقارير صادرة عن هيئة البث الإسرائيلية، نقلًا عن مصادر وصفتها بالمطلعة، جدلًا واسعًا حول مزاعم نشر تركيا رادارًا متطورًا في محيط مطار دمشق الدولي، بمدى تغطية يُقدَّر بين 150 و200 كيلومتر، زاعمة أن ذلك قد يحدّ من حرية حركة ونشاط سلاح جو الاحتلال الإسرائيلي في الأجواء السورية ويؤثر على عمليات الرصد والتحرك الجوي في المنطقة.
هذه المزاعم سرعان ما قوبلت بردّ رسمي سوري ينفي أي طابع عسكري للمنظومة، مؤكدًا أنها تدخل ضمن تحديث البنية التحتية للطيران المدني حصراً، في حين تؤكد مصادر تركية أن المنظومة تهدف لدعم عجلة التنمية في قطاع الطيران المدني السوري في سياق دعم تركيا الشامل لسوريا الجديدة.
وقب ل أيام أجرى السفير التركي في سوريا نوح يلماز زيارة إلى مطار دمشق الدولي متفقدًا استمرار أعمال تركيب الرادارات وجهاز الهبوط الآلي ونظام DVOR الذي قدمته تركيا لدعم سلامة الطيران المدني في سوريا.
الادعاءات الإسرائيلية ومصدر القلق
بحسب ما أوردته هيئة البث الإسرائيلية، فإن الرادار المشار إليه يتمتع بقدرات تقنية متقدمة، ما قد يعزز من قدرة رصد الحركة الجوية في نطاق واسع حول العاصمة السورية دمشق.
وتربط التقديرات الإسرائيلية بين هذه القدرات وبين احتمال تقليص هامش الحركة الجوية العسكرية الإسرائيلية فوق سوريا، وهو ما اعتبرته تل أبيب مصدر قلق أمني محتمل.
غير أن التقرير لم يقدّم أدلة تقنية مستقلة تؤكد طبيعة الرادار أو تبعيته، مكتفيًا بنقل المخاوف في إطار تقديري يربط بين أي تحديث تقني في المطارات السورية وبين تداعيات عسكرية مفترضة.
رد رسمي سوري: رادار مدني حصراً
في ردّ مباشر على هذه الادعاءات، أصدر رئيس الهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، عمر الحصري، بيانًا أكد فيه أن منظومة الرادار المُدخل حديثًا في مطار دمشق الدولي هي منظومة مدنية بحتة، مخصصة حصراً لأغراض الملاحة الجوية وإدارة الحركة الجوية المدنية.
وأوضح البيان أن استخدام الرادار يندرج ضمن منظومة السلامة الجوية، وتحت السلطة الكاملة والمباشرة للهيئة العامة للطيران المدني والنقل الجوي، ووفق القوانين الوطنية والأنظمة الدولية المعتمدة، نافيًا أي استخدامات عسكرية أو غير مدنية له.
التزام بالمعايير الدولية ورفض التسييس
وشددت الهيئة في بيانها على التزامها الكامل باتفاقية شيكاغو للطيران المدني الدولي، وبالمعايير الصادرة عن منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO)، مؤكدة أن تحديث منظومات الرصد والملاحة يأتي في إطار تحسين مستويات السلامة الجوية وكفاءة إدارة الأجواء، أسوة بما يجري في مطارات العالم.
كما عبّرت الهيئة عن رفضها الزج بقطاع الطيران المدني في أي سياقات سياسية أو عسكرية، معتبرة أن تسييس البنية التحتية المدنية يشكل خرقًا للأعراف الدولية الناظمة للملاحة الجوية.
قراءة سياسية: بيان استباقي
من جانبه، رأى المحلل السياسي أحمد العربي، في حديث لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن “ما جرى تداوله إسرائيليًا لا يخرج عن كونه تضخيماً تقنياً لأمر اعتيادي”، موضحًا أن “الجهات السورية المسؤولة أعلنت صراحة وضع رادار للطيران القادم والمغادر في مطار دمشق الدولي، أسوة بكل مطارات العالم”.
وأشار العربي إلى أن البيان الرسمي السوري جاء “استباقيًا” لمواجهة أي احتجاج أو تصعيد إعلامي إسرائيلي، مؤكدًا أن الرادار مدني بالكامل ويخدم المطار وفق المواثيق والمعاهدات الدولية، حسب تعبيره.
واعتبر أن الاحتلال الإسرائيلي لن تكون قادرة على اتخاذ خطوات عملية إزاء هذا الملف، في ظل ارتباط مستقبل العلاقات السورية–الإسرائيلية بالأجندة الأمريكية وخططها الإقليمية، لافتًا إلى أن هذا السياق يفسر انخفاض حدة اللهجة الإسرائيلية مؤخرًا واقتصار تحركاتها في الجنوب السوري على طابع رمزي، وفق قوله.
مقاربة قانونية وسيادية
بدوره، شدد المحلل السياسي إبراهيم قيسون على أن الرادار المُركّب في مطار دمشق، كما صرحت هيئة الطيران، مخصص لأغراض الطيران المدني حصراً ولن يُستخدم لأي أغراض عسكرية.
واعتبر قيسون في حديث لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن “ربط الرادار بنشاط سلاح الجو الإسرائيلي ينطوي على خلط مفاهيمي”، موضحًا أن “النشاط العسكري شأن منفصل لا علاقة له بالطيران المدني”.
وأضاف أن السؤال من أساسه غير دقيق، إذ “لا ينبغي أن يكون لسلاح الجو الإسرائيلي أي نشاط في الأجواء السورية”، باعتبار سوريا دولة ذات سيادة، وأن أي تحليق عسكري يخضع لسياقات سياسية واتفاقيات لا تمت بصلة لإدارة الملاحة الجوية المدنية.
وخلص إلى أن الادعاء الإسرائيلي بالمجمل “خاطئ” من حيث المضمون والسياق.
بين التقنية والسياسة
يعكس الجدل الدائر حول رادار مطار دمشق تداخلًا معتادًا بين التقني والسياسي في الملفات السورية، حيث تُقرأ أي خطوة تحديثية في البنية التحتية من زوايا أمنية إقليمية.
إلا أن التوضيحات الرسمية السورية، المدعومة بإطار قانوني دولي، تسعى إلى فصل الملاحة الجوية المدنية عن الحسابات العسكرية، وإعادة النقاش إلى مساره المهني.







