
“البيرق” التركي رمز المجد والعظمة (مقال)
من يعرف فلسفة وجذور علم الجمهورية التركية لا يملك إلا أن يحبّه ويقبّله ويشتاط غضبًا لأي مساس به.
يحظى العلم التركي بمكانة عالية جدًا لدى الأتراك، ليس باعتباره رمزًا سياسيًا فقط، بل كـرمز وجود وكرامة ووحدة وتاريخ مؤلم ومجيد في آنٍ واحد.
ويمكن فهم هذا التبجيل من خلال عدة طبقات متراكبة؛ فالهلال والنجمة البيضاء رمز الإسلام والهوية الحضارية، أما اللون الأحمر فهو دماء الشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن الوطن ضد الحملات الصليبية والاستعمار الغاشم ومحاولات التقسيم.
وبالتالي، ففي الوعي الجمعي التركي، العلم “مغموس بالدم”، لذلك إهانته تُعد إهانة لتضحيات الأجداد وإثارة للانقسام.
لذلك؛ نجد أن جزءًا كبيرًا من النشيد الوطني التركي تعظيم وتبجيل للعلم الذي يطلق عليه “بيرق”؛ يقول النشيد الوطني التركي الذي يردده الجميع ويحفظونه باهتمام:
لا تحزنْ، لن تخمدَ الرايةُ الحمراءُ في شفقِ السماءْ
قبلَ أن تخمدَ في آخرِ دارٍ على أرضِ وطني شعلةُ الضياءْ
إنها كوكبٌ سيظلُّ ساطعاً فهي لأمتيَ الغراءْ
إنها لي ولشعبي دونَ انقضاءْ
هلالَنا المدلل، أرجوكَ لا تقطبْ حاجبَ الجمالْ
ابتسمْ لعرقي البطلِ ! ما هذهِ الهيبةُ وذاكَ الجلالْ؟
وإلا لن تصبحَ دماؤُنا الزكيةُ لكَ حلالْ
من حقِّ أمتي التي تعبدُ الحقَّ الاستقلالْ
تركيا جمهورية حديثة، لكن العلم يمثل امتدادًا لآخر علم رسمي في عهد الدولة العثمانية والذي كان عبارة عن خلفية حمراء وهلال أبيض ونجمة خماسية، وهذه الدولة العثمانية تعدّ امتدادًا لدولة المدينة التي أسسها الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه.
إذن، العلم التركي يحمل كل هذه المعاني الراسخة في وجدان الأمة التركية، والمساس به أو إهانته جريمة خطيرة يمكن أن يشعل حربًا،
لذلك شهدنا في وقائع عدة كيف تستنفر أجهزة الدولة التركية لجلب ومعاقبة أي شخص يسيء للعلم التركي.
وفي القانون التركي، الإساءة إلى العلم ليست مسألة ذوق عام، بل جريمة جنائية صريحة، تنظم ذلك المادة 300 من قانون العقوبات التركي (Türk Ceza Kanunu – TCK)، وتنص على: “كل من يُهين علنًا العلم التركي أو يمزقه أو يحرقه أو يتلفه بأي شكل، يُعاقَب بالسجن”، الذي قد يصل الى ثلاث سنوات، لكن في حالات كثيرة يتم تشديد العقوبة بإضافة جرائم أخرى منها: التحريض على الكراهية، وإهانة القيم الوطنية، والإخلال بالأمن العام.
من المواقف الطريفة والخطيرة في آنٍ، أن أحد أبناء الجالية اليمنية تأكيدًا على حبه للعلم التركي قام بتعليقه على باب شقته، لكنه سقط دون علمه وعندما جاء عامل النظافة صباحًا وجد العلم ملقىً على الأرض أمام الباب فظنّ أن صاحب المنزل تعمّد إهانة العلم التركي، خاصة وأنه أجنبي، فقام على الفور بإبلاغ الأمن الخاص بالمجمع السكني، وجاء الأمن غاضبًا متوعدًا بإبلاغ الشرطة، ولكن عندما تحققوا أن الموضوع كان دون قصد وليس متعمدًا جرى توبيخ صاحب المنزل وتعهد بعدم التساهل مرةً أخرى تجاه “البيرق”.







