
أكدت خطبة الجمعة في عموم مساجد تركيا، اليوم، أن الهجرة النبوية لا تقتصر على الانتقال من مكان إلى آخر، بل تمثل مسيرةً متواصلة نحو التمسك بالحق والقيم والأخلاق الحسنة.
وأشارت إلى أن المسلم مدعوّ إلى هجرة المعاصي والأفكار المنحرفة والتوجه نحو العدل والرحمة والتكافل.
ولفتت إلى أهمية استيعاب معاني الهجرة مع حلول العام الهجري الجديد، وتعزيز الوحدة والأخوة بين المسلمين.
خطبة الجمعة:
في السنوات الأولى من الإسلام، تعرض المؤمنون للأذى والعذاب والتعذيب والمقاطعة التي كان يفرضها المشركون في مكة، والتي كانت تتزايد يوماً بعد يوم.
وعلى الرغم من كل الصعوبات التي عاشها المسلمون، فإنهم لم يقدموا أي تنازل عن إيمانهم. وفي نهاية المطاف، هاجر نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم وصحابته الأخيار، بأمر من الله تعالى، من مكة إلى المدينة المنورة. وقد اعتُمد هذا العام لاحقاً بدايةً للتقويم الهجري.
إن الهجرة ليست مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هي مبدأ تقديم رضا الله ورسوله على كل شيء.
وهي السعي إلى التوجه نحو الحق والتمسك بالحقيقة تمسكاً راسخاً.
وهي العزم على الابتعاد عن الرغبات والشهوات غير المشروعة للنفس، وعن وساوس الشيطان التي لا تنتهي، وقضاء حياة مليئة بالأعمال الصالحة والأخلاق الحميدة.
والهجرة هي السعي إلى التوبة من الأخطاء والذنوب واللجوء إلى رحمة ربنا العظيم ومغفرته الواسعة.
وهي الإصرار على الانتقال من الحرام إلى الحلال، ومن الشر إلى الخير.
وقد لفت نبينا صلى الله عليه وسلم الانتباه إلى هذا المعنى بقوله “المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه”.
إن لكل واحد منا هجرة ينبغي أن يحققها، شرط أن يدرك أخطاءه ويواجهها، وأن يكون منسجماً مع ذاته، وأن يصغي إلى صوت فطرته، وألا ينسى الغاية التي خُلق من أجلها.
إن هجرة المسلم هي انتقاله من الكِبر إلى التواضع، ومن الغضب إلى الرحمة، ومن الأنانية إلى الإيثار، ومن الظلم إلى العدل، ومن اليأس والتشاؤم إلى الأمل.
وهجرة المسلم هي الابتعاد عن آفات اللسان، مثل الكذب والافتراء والفتنة والغيبة، والتحلي بالصدق والأخوة والمحبة.
وهجرة المسلم هي حماية نفسه ونسله من الأفكار المنحرفة والأيديولوجيات الباطلة والتوجهات الخاطئة، والعيش بما ينسجم مع دينه وقيمه وثقافته وأعرافه.
وهجرة المسلم هي الامتناع عن الوقوع في المحرمات التي تقوض السكينة والأمن، مثل شرب الخمر والزنا والربا والرشوة والاحتكار والمتاجرة في السوق السوداء، والاكتفاء بما أحله الله.
وهجرة المسلم هي الابتعاد عن كل ذنب ينتهك حقوق العباد والحقوق العامة، وأن يحرص على أقواله وتصرفاته وأعماله.
إن الواجب الملقى على عاتق المسلمين مع دخول العام الهجري الجديد، هو استيعاب معنى الهجرة وأهميتها من جديد، وقراءة المرحلة التي يعيشونها قراءة صحيحة، ومراجعة حياتهم وتوجيه مستقبلهم على هذا الأساس.
كما ينبغي لهم أن يجعلوا الأخوة الإسلامية أساساً لعلاقاتهم، وأن يتكاتفوا فيما بينهم، وأن يتقاسموا إمكاناتهم المادية والمعنوية مع بعضهم بعضاً.
وبهذه المناسبة، نسأل الله تعالى أن يكون العام الهجري الجديد، الذي سنستقبله يوم الثلاثاء المقبل، سبباً في إدخال السرور على وجوه المظلومين، وبلوغ الإنسانية السلام، وترسيخ وحدتنا وتضامننا وأخوتنا.
ونختتم خطبتنا بقول الله تعالى “إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ”.




