توسيع الشراكة الأمنية.. ماذا تعني زيارة وزير الداخلية التركي الأخيرة إلى دمشق؟ (تقرير)

لم تعد الزيارات المتبادلة بين المسؤولين السوريين والأتراك تقتصر على التنسيق السياسي أو تبادل الرسائل الدبلوماسية، بل أخذت تتجه تدريجياً نحو بناء تعاون مؤسسي واسع بين أجهزة الدولتين، وهو ما عكسته زيارة وزير الداخلية التركي مصطفى تشيفتشي إلى العاصمة السورية دمشق، الثلاثاء الماضي، والتي فتحت الباب أمام مرحلة جديدة من التنسيق في ملفات الأمن والحدود وإدارة الكوارث والعودة الطوعية للسوريين.

وتأتي الزيارة في سياق تصاعد وتيرة الاتصالات بين وزارتي الداخلية في البلدين، بعد أشهر من الاجتماعات الفنية واللقاءات الرسمية التي ركزت على تطوير آليات العمل المشترك، في ظل مساعٍ مشتركة لترجمة التقارب السياسي إلى برامج تنفيذية تمس المؤسسات الأمنية والإدارية بصورة مباشرة.

وخلال الزيارة، استقبل وزير الداخلية السوري أنس خطاب نظيره التركي والوفد المرافق له في دمشق، حيث ناقش الجانبان سبل تعزيز التعاون والتنسيق بين وزارتي الداخلية، بما يشمل مكافحة الجريمة المنظمة، والاتجار بالمخدرات، وتهريب البشر، وتأمين الحدود، إضافة إلى إدارة الكوارث والطوارئ وملف العودة الطوعية للسوريين المقيمين في تركيا.

كما شملت الزيارة لقاءات مع وزير إدارة الطوارئ والكوارث رائد الصالح، إلى جانب لقاء مرتقب مع الرئيس السوري أحمد الشرع، في مؤشر على أن المباحثات تتجاوز الجوانب الفنية لتأخذ بعداً سياسياً واستراتيجياً يتعلق بطبيعة العلاقات المستقبلية بين البلدين.

تعاون يتجاوز الأمن التقليدي

وتشير المعطيات إلى أن التعاون بين دمشق وأنقرة لم يعد يقتصر على التنسيق الأمني بمفهومه التقليدي، بل يتوسع ليشمل بناء المؤسسات وتبادل الخبرات الإدارية والفنية، خصوصاً مع الاتجاه لتوقيع مذكرة تفاهم في مجال إدارة الكوارث والطوارئ، إلى جانب وضع آليات لتدريب كوادر الشرطة السورية داخل البلاد، والاستفادة من الخبرات التركية في هذا المجال.

وسبق الزيارة تطور عملي مهم، تمثل في توقيع بروتوكول تعاون بين إدارة التأهيل والتدريب في وزارة الداخلية السورية وقيادة قوات الجندرما التركية خلال شهر أيار/مايو الماضي في العاصمة التركية أنقرة، بهدف تطوير برامج التدريب الأمني ورفع كفاءة الكوادر السورية، بما يعكس انتقال التعاون من مرحلة المشاورات إلى مرحلة التنفيذ.

كما سبقت الزيارة لقاءات بين وزير الداخلية السوري أنس خطاب والسفير التركي في دمشق نوح يلماز، تناولت التحضيرات لزيارة الوزير التركي، إضافة إلى بحث تطوير التعاون الأمني وتبادل الخبرات ومواجهة التحديات الإقليمية المشتركة.

الحدود والهجرة في صدارة الأولويات

ويبرز ملف الهجرة والعودة الطوعية للسوريين باعتباره أحد أهم محاور التعاون بين وزارتي الداخلية، نظراً لخصوصية الدور الذي تؤديه وزارة الداخلية التركية في هذا المجال.

فالهيكل التنظيمي للوزارة يضم مؤسسات متعددة، من بينها المديرية العامة للأمن، والقيادة العامة للجندرما، وقيادة خفر السواحل، ورئاسة إدارة الهجرة، إضافة إلى رئاسة إدارة الكوارث والطوارئ “آفاد”، ما يجعلها مسؤولة عن معظم الملفات المرتبطة بحركة الحدود والهجرة وإدارة الأزمات.

وخلال السنوات الماضية، راكمت تركيا خبرة واسعة في إدارة ملف الحماية المؤقتة للسوريين، وتنظيم عمليات العودة الطوعية عبر إجراءات إدارية متكاملة تبدأ بتسجيل الطلبات، وتحديد مواعيد المغادرة، واختيار المعابر الحدودية، وصولاً إلى استكمال إجراءات العودة.

في المقابل، تختلف طبيعة التعامل السوري مع هذا الملف، إذ تنظر دمشق إليه باعتباره ملف عودة مواطنيها إلى بلادهم، وليس إدارة أوضاع أجانب أو لاجئين، وهو ما يفرض تنسيقاً مؤسسياً بين الجانبين لضمان تنظيم عمليات العودة وتسهيلها وفق ترتيبات إدارية وأمنية متفق عليها.

بناء مؤسسات الدولة

ويرى الباحث السياسي إبراهيم قيسون، أن الزيارة تأتي ضمن مسار أوسع من التعاون بين سوريا وتركيا، مؤكداً أن العلاقات بين البلدين تشهد توسعاً في المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية، إلى جانب العمل المشترك لتطوير مؤسسات الدولة السورية، حسب تعبيره.

وقال قيسون في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إن “الملف الأمني أصبح من أكثر الملفات أهمية بعد مرور نحو عام ونصف على مرحلة التحرير، مع انتقال الاهتمام من إعادة بناء المؤسسات الأمنية إلى توسيع التعاون الإقليمي لمواجهة التحديات المشتركة”.

وأضاف أن “المرحلة المقبلة ستشهد تركيزاً أكبر على مكافحة التنظيمات المسلحة، وفي مقدمتها تنظيم (PKK) الإرهابي وأذرعه في المنطقة، إلى جانب مواصلة التنسيق في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي، باعتبارها ملفات ترتبط بصورة مباشرة بأمن البلدين”.

ورأى أن “تعدد الزيارات واللقاءات الرسمية خلال الأشهر الماضية يعكس وجود خطة متكاملة لتطوير الشراكة بين دمشق وأنقرة، بحيث لا تقتصر على التنسيق السياسي، وإنما تشمل أيضاً بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية وتبادل الخبرات”.

رسائل سياسية وأمنية

من جانبه، اعتبر الباحث في الشأن السياسي، فراس رضوان أوغلو، أن زيارة وزير الداخلية التركي تحمل أبعاداً تتجاوز الملفات الأمنية المباشرة، إذ تعكس رغبة واضحة في ترميم العلاقات بين المجتمعين السوري والتركي بعد سنوات من التوتر الذي رافق بعض السياسات والإجراءات السابقة.

وأشار في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، إلى أن الزيارة تمثل أيضاً رسالة دعم قوية للحكومة السورية الجديدة، عبر إظهار استعداد تركيا لتقديم المساندة المؤسسية في المجالات الأمنية والإدارية، وليس الاكتفاء بالدعم السياسي، وفق تعبيره.

وأضاف أن “توقيت الزيارة، الذي جاء بعد أحداث أمنية شهدتها سوريا مؤخراً، يمنحها بعداً إضافياً يتمثل في التأكيد على استمرار التنسيق الأمني بين البلدين لمواجهة محاولات زعزعة الاستقرار”.

كما يرى رضوان أوغلو أن “التحرك التركي يحمل رسالة خارجية أيضاً، مفادها أن أنقرة تقف إلى جانب دمشق في مرحلة إعادة بناء مؤسسات الدولة، وأن هذا الدعم يشمل المستويات الأمنية والمؤسساتية، بما يعكس مستوى متقدماً من الشراكة بين الطرفين”.

انتقال إلى الشراكة المؤسسية

وتشير المؤشرات إلى أن التعاون السوري التركي يدخل مرحلة جديدة تختلف عن السنوات السابقة، إذ لم يعد قائماً على التنسيق الظرفي أو معالجة الملفات الطارئة، بل يتجه نحو إنشاء منظومة تعاون مؤسسي طويلة الأمد تشمل الأمن وإدارة الحدود، والتدريب الشرطي، وإدارة الكوارث، ومكافحة الجريمة المنظمة، إضافة إلى تنظيم العودة الطوعية للسوريين.

ويبدو أن هذه الملفات تمثل اليوم، وحسب مراقبين، الأساس الذي تبني عليه دمشق وأنقرة علاقاتهما الجديدة، في إطار رؤية تقوم على تحويل التقارب السياسي إلى تعاون مؤسساتي مستدام، يعزز استقرار الحدود، ويرفع مستوى التنسيق الأمني والإداري، ويمهد لمرحلة أكثر اتساعاً من الشراكة بين البلدين في الملفات ذات الاهتمام المشترك.

 

Exit mobile version