
تخطو تركيا خطوات متسارعة نحو تكريس مرحلة جديدة وحاسمة في علاقاتها الدفاعية مع القوى الغربية، متمثلة في الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.
هذه المرحلة لا تقتصر على كونها “صفقات شراء” للسلاح، بل هي بناء متكامل لمنظومة دفاعية متعددة المسارات تعتمد على الإنتاج المحلي الجريء، والمناورة الدبلوماسية الذكية، واستغلال الفراغات الأمنية في القارة العجوز.
إن التحول التركي من حليف “مستهلك” إلى “شريك تقني ومورد” يضع أنقرة اليوم في قلب معادلة الأمن العالمي، ليس كطرف تابع، بل كقوة إقليمية تمتلك مفاتيح الاستقرار في ملفات حساسة ابتداءً من أوكرانيا وصولاً إلى أمن الطاقة في المتوسط.
الرؤية الاستشرافية وسد الثغرات الدولية
لم تعد السياسة الدفاعية التركية حبيسة الجغرافيا المحلية، بل تحولت إلى أداة جيوسياسية فعالة تتعامل مع المتغيرات الدولية كفرص لتعزيز النفوذ.
هذا التطور لم يأتِ من فراغ، بل كان وليد قراءة دقيقة لحالة الترهل التي أصابت المنظومات الدفاعية التقليدية في أوروبا عقب اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية.
وحول هذا التحول في العقيدة الأمنية التركية، يرى الباحث العسكري رشيد حوراني، أن المحرك الأساسي لهذه السياسة هو تجاوز مفهوم الدفاع التقليدي نحو الريادة الدولية.
وفي هذا الصدد، قال حوراني في حديثه لـ”وكالة أنباء تركيا”، “تقوم السياسة الدفاعية والأمنية لتركيا على تأمين وسائل الدفاع والأمن الخاصة بالجمهورية التركية، لكنها لا تقف عند هذا الحد، فمن خلال الرؤية الاستشرافية لصانع القرار التركي، لا تقتصر على حماية الأمن والدفاع عن تركيا، بل تتجاوز ذلك إلى سد الثغرات ومعالجة أوجه الخلل التي تنجم عن التطورات والأحداث الإقليمية والعالمية. فعلى سبيل المثال، أظهرت الحرب في أوكرانيا ضعفًا في البنية الدفاعية الأوروبية، من خلال نقص الذخائر وتراجع نظام التجنيد، وهو أمر التقطته تركيا بالتزامن مع تطوير صناعاتها الدفاعية، وقد ظهر هذا التطور بشكل واضح في قمة (الناتو) التي استضافتها هذا العام، إذ قدمت رؤى تجعل من تركيا فاعلًا سياسيًا وأمنيًا ودفاعيًا إلى جانب الولايات المتحدة وأوروبا”.
هذا التصريح يبرز كيف استثمرت أنقرة في “فلسفة سد الفراغ”، حيث أصبحت المصانع التركية اليوم مصدراً حيوياً للذخائر والمعدات التي تفتقر إليها الترسانات الأوروبية، ما جعل الأمن القومي التركي جزءاً لا يتجزأ من الأمن الجماعي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)”.
التكنولوجيا المحلية.. كسر القيود التاريخية
العمود الفقري لهذا “الانفتاح الدفاعي” هو القفزة العلمية والتقنية التي حققتها شركة “صناعات الدفاع التركية” (SSB).
فمشروع “القبة الفولاذية” (Çelik Kubbe) الذي أعلنت عنه أنقرة مؤخراً، لا يمثل فقط نظاماً لحماية الأجواء، بل هو “نظام النظم” الذي يربط الرادارات، والصواريخ الاعتراضية، وأنظمة الحرب الإلكترونية تحت مظلة واحدة مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
هذا الاستقلال التقني جعل تركيا تخوض مفاوضاتها مع واشنطن بشأن طائرات “إف-16” المحدثة من موقع القوة، فلم يعد الحرمان من طائرات الجيل الخامس “إف-35” عائقاً وجودياً، بل كان حافزاً لتسريع إنتاج المقاتلة الوطنية “قآن” (KAAN) ودخول غمار المفاوضات على مقاتلات “يوروفايتر تايفون” الأوروبية لتنويع مصادر القوة الجوية.
وفي هذا السياق، يحلل الباحث السياسي وفي العلاقات الدولية عبد الباسط أبو نبوت هذه الديناميكية الجديدة، مؤكداً أن العلاقة مع الغرب انتقلت إلى مربع الندّية والمصالح المتبادلة.
وقال أبو نبوت في تصريحاته لـ “وكالة أنباء تركيا”، “تشير التطورات الأخيرة في العلاقات الدفاعية بين تركيا والولايات المتحدة وأوروبا إلى دخول مرحلة جديدة تقوم على المصالح الاستراتيجية المتبادلة، وليس على التبعية التقليدية، ففي ظل التحولات الدولية المتسارعة، والحرب في أوكرانيا، وتصاعد التنافس بين القوى الكبرى، أصبحت تركيا لاعباً محورياً لا يمكن تجاوزه في منظومة الأمن الأوروبي والأطلسي. وفي المقابل، نجحت أنقرة خلال السنوات الأخيرة في بناء قاعدة صناعات دفاعية وطنية متقدمة، عززت استقلالية قرارها السياسي والعسكري، وجعلتها قوة إقليمية ذات تأثير متزايد”.
وتابع “لذلك فإن أي انفتاح دفاعي جديد مع الغرب يعكس أيضاً حاجة الولايات المتحدة وأوروبا إلى الدور التركي، سواء في أمن البحر الأسود أو شرق المتوسط أو الشرق الأوسط، ومن هذا المنطلق، تمتلك تركيا اليوم هامشاً أوسع للتفاوض وطرح شروطها بما يحقق مصالحها الوطنية، مستندة إلى عناصر القوة الاقتصادية والعسكرية والجيوسياسية، ضمن رؤيتها للتحول إلى قوة عالمية متعددة الأبعاد، قادرة على تحقيق التوازن بين شراكاتها الغربية واستقلالية قرارها الاستراتيجي”.
مسارات التوازن: البحر الأسود والمتوسط
لا يمكن قراءة التقرير الدفاعي التركي دون النظر إلى الخريطة البحرية، فتركيا التي تمتلك أطول ساحل على البحر الأسود، وموقعاً استراتيجياً في شرق المتوسط، فرضت نفسها كحارس للممرات المائية الحيوية.
إن تطوير “الوطن الأزرق” (Mavi Vatan) من خلال الغواصات المحلية والفرقاطات من فئة “ميلغم” (MILGEM)، جعل من الوجود التركي ضرورة لا غنى عنها لأمن الطاقة الأوروبي، خاصة مع محاولات الاستغناء عن الغاز الروسي.
هذا الدور الجيوسياسي المتعلق بالبحار يعزز “الهامش التفاوضي” الذي ذكره أبو نبوت؛ فواشنطن وبروكسل تدركان أن أي استقرار في جبهة الناتو الجنوبية والشرقية يتطلب التنسيق الوثيق مع أنقرة، وهو ما يفسر الليونة النسبية الأخيرة في مراكز القرار الغربية تجاه المطالب التركية الدفاعية.
آفاق “القوة العظيمة” 2023-2053
تطمح أنقرة بحلول عام 2053 إلى تحقيق استقلال دفاعي كامل بنسبة 100%. وبالنظر إلى المعطيات الحالية في عام 2026، نجد أن نسبة التصنيع المحلي قد تجاوزت 85%.
هذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل هو “درع سياسي” يحمي القرار التركي من الضغوط الخارجية والعقوبات التي كانت تفرض سابقاً (مثل عقوبات كاتسا)، حسب مراقبين.
إن دخول تركيا مرحلة “بناء منظومة دفاعية متعددة المسارات” يعني عملياً:
- مسار التصنيع: تحويل الصناعة العسكرية إلى قاطرة للاقتصاد الوطني الصادر.
- مسار الدبلوماسية: استخدام التقدم العسكري كأداة لتعزيز التحالفات السياسية.
- مسار الردع: بناء قوة عسكرية قادرة على حماية المصالح التركية في ثلاث قارات.
يبدو أن تركيا قد نجحت في فك الارتباط بين “التحالف مع الغرب” و”التبعية للغرب”.
فمن خلال رؤية استشرافية تلتقط ثغرات النظام الدفاعي العالمي، ومن خلال بناء قاعدة صناعية صلبة، أضحت أنقرة “بيراً استراتيجياً” في منظومة الأمن الأطلسي.
إن المرحلة الحالية لا تشهد فقط ولادة قوة دفاعية إقليمية، بل ترسم ملامح تركيا كقطب فاعل في نظام عالمي متعدد الأقطاب، حيث الكلمة العليا لمن يمتلك سلاحه وقراره بيده.







