
خطبة الجمعة في تركيا.. بناء الحضارة الإسلامية يبدأ بالإيمان والعلم والقيم
أكدت خطبة الجمعة في عموم مساجد تركيا لهذا الأسبوع، أن الحضارة الإسلامية ليست مجرد منجزات عمرانية أو مادية، بل منظومة متكاملة تقوم على الإيمان والأخلاق والعدل والعلم والعمل الصالح.
وأشارت إلى أن بناء المجتمعات يبدأ ببناء الإنسان وترسيخ القيم النبيلة.
كما لفتت إلى أن المساجد تمثل حصونًا روحية تحفظ هوية الأمة وتعزز وحدتها، داعية إلى استلهام تراث الحضارة الإسلامية لبناء المستقبل بالإيمان والعلم والحكمة.
خطبة الجمعة:
يقول ربنا جل وعلا في سورة هود ﴿وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾.
لقد خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان ليكون أمينًا على الأرض، وحمّله مسؤولية إعمارها.
وهذه المسؤولية لا تقتصر على تشييد المدن وبناء العمران، بل تشمل إقامة حياة تُصان فيها الأخلاق والفضائل.
فالحضارة هي ذلك المفهوم الذي يجمع بين الإنجازات المادية والقيم الروحية ويجعل منهما أساسًا للحياة.
إن الحضارة الإسلامية، التي تأسست على هدي القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وتشكلت عبر خمسة عشر قرنًا من التجربة والعطاء، قد ارتقت لأنها جمعت بين العلم والعبادة، والعمل والأمانة، والقوة والعدل، والثروة والتكافل.
وكانت المساجد، والأوقاف، والمكتبات التي شُيدت عبر التاريخ، شواهد خالدة على هذه الرؤية الحضارية التي خدمت الإنسان وحفظت تماسك المجتمع.
إن الغاية الأساسية للحضارة الإسلامية هي كسب القلوب، وتوحيد العقول والأرواح على الإيمان والمشاعر والأهداف السامية.
ويقول الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ﴾.
فهذه المبادئ الإلهية هي الأساس الذي تقوم عليه الحضارة الإسلامية؛ إذ لا يمكن لأي مجتمع يهمل الأخلاق وينسى الإحسان أن يبني مستقبلًا راسخًا ومستدامًا.
ينبغي أن تكون مساجدنا أماكن تُرسخ الأخوة بين المسلمين، وأن تكون مدارسنا مؤسسات تُعلّم العلم إلى جانب الفضيلة، وأن تكون أماكن العمل ساحاتٍ يسودها الصدق، واحترام الجهد، والكسب الحلال.
وإذا استطاع كل واحد منا أن يكون نموذجًا للخير في المكان الذي يعيش أو يعمل فيه، فإن حضارتنا ستزداد قوة ورسوخًا.
إن واجبنا اليوم هو الحفاظ على الإرث الذي ورثناه عن أجدادنا، والعمل على تنميته وإغنائه، ثم نقله إلى الأجيال القادمة.
وقد أوصى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بقوله “اتقِ الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن”.
ومن ثم، فإن مسؤوليتنا لا تقتصر على أداء واجباتنا تجاه الله سبحانه وتعالى، بل تمتد إلى جعل خدمة الإنسان ونفع المجتمع هدفًا من أهداف حياتنا، وأن نبني مستقبلنا مستلهمين حضارتنا القائمة على الإيمان، والعلم، والحكمة، والأخلاق الفاضلة.
يصادف اليوم ذكرى إعادة افتتاح جامع آيا صوفيا الكبير الشريف واستقباله للمصلين من جديد، وهو أحد أبرز رموز فتح إسطنبول وأحد أهم الأمانات التي تركها الأجداد.
إن الأذان المحمدي الذي يصدح من مآذن آيا صوفيا يجسد، كما كان يوم فتح إسطنبول، إعلانًا لرسالة أمتنا القائمة على العدل والرحمة.
وستظل مساجدنا حصونًا روحية تربط حاضر أمتنا بماضيها، وتصوغ مستقبلها، وتجمع أبناء المجتمع جميعًا، من الشباب وكبار السن والأطفال، تحت سقف واحد، بروح الوحدة والأخوة التي ستبقى حية إلى قيام الساعة.
ونختتم خطبتنا بقول الله تعالى في سورة التوبة ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ ۖ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾.




