تقاريرهام

كيف أسس الشيخ حمد بن خليفة ومن بعده الأمير تميم لعلاقة تركية قطرية استثنائية؟ (تقرير)

تمثل العلاقات القطرية التركية في المشهد السياسي المعاصر حالة استثنائية من التحالفات الدولية، حيث نجحت الدوحة وأنقرة في بناء شراكة تتجاوز الأطر الدبلوماسية التقليدية لتصل إلى مرحلة التكامل الاستراتيجي الشامل.

هذا المسار الذي بدأ بذور غراسه في عهد الأمير الوالد الراحل الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وصولاً إلى مرحلة المؤسسات والرسوخ في عهد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، يعكس رؤية بعيدة المدى أدركت مبكراً طبيعة التحولات الجيوسياسية في المنطقة.

بدأت ملامح هذه العلاقة تتشكل بوضوح مع مطلع الألفية الجديدة، وتحديداً مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا عام 2002.

حينها رصدت القيادة القطرية تقاطعاً كبيراً في الرؤى التنموية والسياسية، فجاءت زيارة الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى أنقرة في تلك الفترة لتضع حجر الأساس لتعاون اقتصادي وسياسي غير مسبوق.

كان الشيخ حمد ينتهج سياسة خارجية قائمة على تنويع الشركاء الإقليميين وتعزيز استقلالية القرار الوطني، وهو ما وجد صدى واسعاً لدى القيادة التركية الطموحة.

ومع اندلاع أحداث “الربيع العربي” عام 2011، دخلت العلاقة أول اختبار حقيقي لها، حيث تماهت المواقف القطرية والتركية في دعم تطلعات الشعوب العربية نحو التغيير، وظهر تنسيق وثيق في ملفات إقليمية معقدة بدءاً من سوريا وليبيا وصولاً إلى تونس ومصر.

هذا التناغم السياسي كان بمثابة الإعلان الرسمي عن ولادة محور “الدوحة أنقرة” كرقمان صعبان في المعادلة الإقليمية.

وعندما تولى الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مقاليد الحكم في قطر، انتقلت العلاقة من مرحلة “التوافق السياسي” إلى مرحلة “المأسسة الاستراتيجية”.

في عام 2014، تم إنشاء اللجنة الاستراتيجية العليا بين البلدين، والتي أصبحت المظلة الرسمية لتعاون يشمل كافة القطاعات.

وقد تجلى عمق هذا التحالف في المحطة المفصلية عام 2017، عندما تعرضت دولة قطر لأزمة الخليج؛ فكان الدعم التركي السريع، عسكرياً ولوجستياً، بمثابة صمام أمان عزز الثقة بين البلدين إلى درجات غير مسبوقة.

وفي هذا السياق، يقول الدكتور محمد مظهر شاهين، الأستاذ في جامعة لوسيل بقطر في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، “تعد العلاقات بين دولة قطر والجمهورية التركية نموذجاً للشراكة الاستراتيجية طويلة الأمد، وليست مجرد علاقات ثنائية تقليدية. وقد وضعت الأسس المتينة لهذه العلاقة في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي أدرك مبكراً المكانة الإقليمية المتنامية لتركيا وإمكاناتها الاقتصادية، فعمل على تعزيز قنوات التعاون بين البلدين في المجالات السياسية والاقتصادية والدفاعية”.

وأضاف “وأسهم هذا النهج القائم على الثقة المتبادلة في إرساء إطار مؤسسي متين للعلاقات الثنائية”.

وتابع أنه “في عهد الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، شهدت هذه الشراكة الاستراتيجية مزيداً من التعمق والتوسع؛ فقد شكل الدعم التركي السريع والملموس لدولة قطر خلال أزمة الخليج عام 2017 محطة مفصلية عززت مستوى الثقة بين البلدين إلى درجة غير مسبوقة”.

وفي المقابل، وحسب شاهين، وقفت قطر إلى جانب تركيا في الفترات التي واجهت فيها تحديات اقتصادية من خلال الاستثمارات والتعاون المالي، بما يعكس طبيعة العلاقة القائمة على التضامن والمصالح المشتركة.

واليوم، لم تعد العلاقات القطرية التركية تقتصر على الجوانب الاقتصادية أو الأمنية، بل تمتد إلى مجالات الصناعات الدفاعية والطاقة والتجارة والتعليم والثقافة والدبلوماسية، في ظل آليات تعاون مؤسسية منتظمة.

كما يلفت النظر أن الدوحة وأنقرة تتبنيان مواقف متقاربة إلى حد كبير في معظم الملفات الإقليمية والدولية؛ فاليوم يتشارك البلدان رؤى متقاربة تجاه ملفات سوريا واليمن والصومال والسودان وليبيا وقطاع غزة ولبنان وباكستان وأفغانستان ومصر، فضلاً عن العديد من القضايا التي تقع ضمن نطاق العمل الدبلوماسي، وفق شاهين.

وزاد موضحاً بالقول “ويستند هذا التقارب إلى رؤية مشتركة تعلي من أهمية الحوار، والحلول السياسية، والحفاظ على استقرار الدول، واحترام سيادتها، وهو ما جعل التنسيق السياسي والدبلوماسي بين البلدين يتسم بدرجة عالية من الانسجام والاستمرارية، ومن ثم، يمكن القول إن العلاقات القطرية التركية تمثل نموذجاً استثنائياً يقوم على الثقة المتبادلة، والمصالح المشتركة، والرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى”.

وختم “لم تعد هذه الشراكة تقتصر على إدارة العلاقات الثنائية، بل أصبحت ركيزة مهمة في دعم الأمن والاستقرار الإقليمي، ونموذجاً للتنسيق الفاعل في التعامل مع مختلف القضايا الإقليمية والدولية”.

لم يتوقف التعاون عند حدود الدعم السياسي، بل امتد ليشمل الجانب العسكري الذي شهد قفزة نوعية بإنشاء قاعدة “خالد بن الوليد” العسكرية في الدوحة، مما جعل تركيا شريكاً رئيساً في منظومة الدفاع القطرية.

هذا التحول العسكري تزامن مع نمو اقتصادي هائل، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري الملياري دولار، وضخت قطر استثمارات ضخمة في السوق التركية شملت قطاعات البنوك، والعقارات، والصناعة، مما ساعد الاقتصاد التركي على مواجهة تقلبات سعر الصرف والضغوط المالية الخارجية.

ومن جانبه، يرى الكاتب والمحلل السياسي مصطفى النعيمي، أن “العلاقة القطرية التركية الاستثنائية تأسست عبر مرحلتين متكاملتين؛ بدأت بالرؤية الاستشرافية لبناء التحالف التي قادها الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، ثم تلاها التحول نحو المأسسة العسكرية والاقتصادية الشاملة تحت قيادة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني. هذا المسار المشترك حول العلاقة من المستوى الدبلوماسي التقليدي وصولاً إلى الشراكة الاستراتيجية العميقة عبر خطوات ومحطات متعددة المستويات ارتبطت بالتطورات الدولية”.

وأضاف “في عهد الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة، مثلت المرحلة فترة التأسيس والتقارب السياسي، حيث أدرك الشيخ حمد مبكراً أهمية صياغة سياسة خارجية مستقلة وبناء شراكات إقليمية قوية خارج الأطر التقليدية المعتادة”.

وتابع “تجلى ذلك في اقتناص فرصة الصعود التركي مع وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة في تركيا عام 2002، حيث رصد الشيخ حمد تقاطعاً كبيراً في الرؤى التنموية والسياسية بين الدوحة وأنقرة، إضافة إلى التناغم في ثورات الربيع العربي عام 2011 التي شكلت تلك المرحلة منطلقاً وأول اختبار حقيقي لتطابق الرؤى السياسية، حيث تماهت الدبلوماسية القطرية والتركية في دعم تطلعات الشعوب العربية، والتنسيق الوثيق في ملفات إقليمية معقدة مثل سوريا وليبيا ومصر”.

واليوم، وحسب النعيمي، ربما قد يصل مستوى العلاقات التركية القطرية إلى مستوى الدفاع المشترك، في ظل استمرار التحديات والتهديدات الإيرانية في مياه الخليج العربي، إضافة إلى إمكانية استثمار التطور الكبير الذي وصلت إليه تركيا على الصعيد العسكري، لا سيما في برنامج المسيرات الذي أصبح أولوية لدى قطر في ظل استمرار التهديدات الإيرانية للدول المشاطئة للخليج العربي، وستكون المرحلة الأولى ضمن الأطر الدفاعية والثقل المتبادل عسكرياً واقتصادياً، حيث سيستفيد الجانبان التركي والقطري من ذلك”.

وختم “لذا، فإن مرحلة بناء التحالفات الجديدة أصبحت أولوية لدى صناع القرار التركي والقطري، وتقاطع المصالح المشتركة بالتزامن مع التحديات أصبح ضرورة ملحة، ولذلك أرى بأننا مقبلون على مزيد من التعاون القطري التركي”.

إن القراءة الفاحصة لمستقبل العلاقات القطرية التركية تشير إلى أنها تتجه نحو مزيد من “التحصين” ضد المتغيرات الخارجية. فالتكامل في مجال الصناعات الدفاعية، خاصة في تكنولوجيا الطائرات المسيرة التركية المتطورة والرغبة القطرية في توطين هذه الصناعات، يشكل نقلة نوعية في مفهوم الأمن القومي المشترك.

كما أن التنسيق في أسواق الطاقة، حيث تعد قطر من كبار مصدري الغاز وتركيا ممراً رئيساً لإمدادات الطاقة نحو أوروبا، يضيف بعداً استراتيجياً عالمياً لهذا التحالف، وفق مراقبين.

ووسط كل ذلك، يمكن القول إن ما أرساه الشيخ حمد بن خليفة وما واصله الشيخ تميم بن حمد من علاقات مع الجمهورية التركية، لم يكن مجرد رد فعل على أحداث عارضة، بل كان تجسيداً لاستراتيجية قطرية تهدف إلى بناء “عمق استراتيجي” يتجاوز الجغرافيا الضيقة، ويخلق توازناً فعالاً في منطقة تموج بالاضطرابات.

واليوم، تقف الدوحة وأنقرة كحليفين لا تفرقهما الضغوط، بل تزيدهما الأزمات تلاحماً وقوة، مما يجعل من تجربتهما نموذجاً ملهماً في العلاقات الدولية القائمة على الندية والمبادئ والمصالح المتبادلة.

زر الذهاب إلى الأعلى