
تحولت العاصمة التركية أنقرة إلى مركز ثقل جيوسياسي عالمي خلال استضافتها للدورة السادسة والثلاثين لقمة حلف شمال الأطلسي “ناتو”، التي عقدت في السابع والثامن من تموز/يوليو 2026.
ولم يكن الحدث مجرد اجتماع دوري للقادة، بل مثّل لحظة فارقة في تاريخ الحلف، وفي مسار الدبلوماسية التركية التي نجحت في إعادة تموضعها كشريك دفاعي واستراتيجي لا غنى عنه في بنية الأمن الأطلسي الجديدة.
وقد وظفت تركيا هذا المحفل الاستراتيجي لترسيخ نفوذها، وتحويل موقعها من حليف إقليمي تثير بعض مواقفه الجدل إلى ركيزة أساسية في صياغة مفهوم “ناتو 3.0” الذي يواجه تحديات القرن الحادي والعشرين عبر استعراض وتوطين الصناعات الدفاعية الفائقة. وتجلى ذلك في نجاح أنقرة في إدراج “منتدى الصناعات الدفاعية” رسمياً ولأول مرة ضمن أجندة القمة الرسمية، مما فتح الباب أمام الشركات التركية العملاقة، مثل “أسيلسان” و”بايكار”، لإبراز منظوماتها المتطورة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي، لا سيما في مجال تحييد المسيرات وتأمين الأجواء.
توظيف استراتيجي وشراكات عسكرية عابرة للحدود
وفي هذا السياق، أكد المحلل السياسي إبراهيم قيسون، في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، على أن تركيا وظفت قمة (الناتو) الـ36 بشكل استراتيجي لترسيخ نفوذها، وتحويل موقعها من حليف إقليمي تثير مواقفه الجدل إلى شريك جيوسياسي ودفاعي لا غنى عنه في بنية الأمن الأطلسي الجديدة.
وحدث ذلك، حسب قيسون، من خلال استعراض وتوطين الصناعات الدفاعية، إذ نجحت في إدراج منتدى الصناعات الدفاعية رسمياً لأول مرة ضمن أجندة القمة.
واستغلت الشركات التركية الحدث لإبراز منظوماتها المتطورة، كأنظمة تحييد المسيرات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، والشراكات التكنولوجية كالمشروع المشترك مع شركة “ليوناردو” الإيطالية.
ومع التزام دول الحلف برفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% بحلول عام 2036، طرحت تركيا نفسها كمركز إنتاج أطلسي قادر على توفير الذخائر والأسلحة بكفاءة وسرعة وبتكلفة منخفضة لتغطية النقص الغربي.
كما قادت تركيا مشاورات موسعة لجمع الحلف مع شركائه في الشرق الأوسط عبر “مبادرة إسطنبول للتعاون” على هامش القمة.
وبرز دور الرئيس رجب طيب أردوغان كوسيط محوري، حيث نسّق كواليس القمة وساهم، بطلب من الأمين العام للحلف مارك روته، في تهيئة الأجواء لضمان مشاركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الفعالة رغم انتقاداته السابقة للحلف.
وحسب قيسون، عززت تركيا نفوذها عبر اقتراح خط أنابيب وقود مخصص حصرياً للاستخدام العسكري يمتد إلى رومانيا وبلغاريا بقيمة 1.2 مليار دولار؛ حيث يضمن هذا المشروع إمدادات الحلف في الجناح الشرقي، ويُثبّت أقدام أنقرة كعقدة طاقة حيوية لأمن أوروبا الدفاعي في ظل توترات مضيق هرمز والصراع المستمر.
وبالمحصلة، فإن استضافة القمة في المجمع الرئاسي بأنقرة لأول مرة تاريخياً لم تكن مجرد حدث تنظيمي، بل عكست نجاح الدبلوماسية التركية في استغلال حاجة الحلف لجيشها القوي (ثاني أكبر جيوش الناتو) وقدراتها التصنيعية المرنة. وبذلك تحولت الضغوط الأمنية المحيطة بأوروبا والشرق الأوسط إلى أوراق نفوذ رابحة بيد أنقرة لتأكيد اندماجها في بنية الأمن الأوروبي وتجاوز العوائق السياسية التقليدية.
هيبة الدولة وتثبيت الحضور الإقليمي والدولي
ولم يقتصر الدور التركي على الجوانب العسكرية واللوجستية، بل امتد ليشمل البعد الرمزي والسياسي العميق، لكونها القوة التي تضبط إيقاع الاستقرار في منطقة تموج بالاضطرابات.
وقد برزت أنقرة كواحة للأمن، وقادرة على حشد قادة عشرات الدول في بيئة آمنة ومنظمة تعكس هيبة الدولة وقدرتها على إدارة الأزمات الكبرى وتوجيه بوصلة الحلف نحو قضايا الشرق الأوسط والجنوب العالمي.
ومن جانبه، أوضح الباحث في القضايا الاستراتيجية ماجد عزام، أن “القمة شهدت تكريساً لمكانة تركيا كواحة للاستقرار والأمن في المنطقة، حيث استقبلت قادة عشرات الدول وعملت على حمايتهم والسهر على راحتهم، مما أثبت فعلياً هذه المكانة”.
وأشار عزام في حديث لـ “وكالة أنباء تركيا”، إلى أن “القمة كانت تكريساً لمكانة تركيا الإقليمية والدولية كلاعب لا غنى عنه في حلف الناتو نفسه؛ فالتمثيل في القمة أكد أن تركيا لم تعد مجرد دولة موجودة أو القوة التي تحمي الجبهة الجنوبية للحلف فحسب، بل هي قوة كبرى داخله، وتعد القوة الثانية بعد الولايات المتحدة. ومن حيث الكفاءة والقدرات، أصبحت تركيا عملياً صاحبة أكبر جيش ومستعدة بالكامل للدفاع والقيام بمسؤولياتها وواجباتها تجاه الحلف”.
وأضاف عزام أن “تركيا أصبحت في الوقت ذاته ذات نفوذ كبير في التأثير على سياسات الناتو، وظهر ذلك جلياً في الإصرار على تقليص التعاون مع الاحتلال الإسرائيلي، وانتقاد سياساتها، ودعم القضية الفلسطينية، ودعم حالات الاستقرار في سوريا والمنطقة، ورفض السياسات الحربجية”.
وهذا يعني أن تركيا قوة كبرى لم تعد مجرد قوة عسكرية تقليدية، بل أصبحت ذات حضور كبير بإمكانات عسكرية متطورة وصناعة دفاعية هناك حاجة ماسة لها، إضافة إلى نفوذها الواسع في التأثير على قرارات الحلف إقليمياً ودولياً/ وفق تعبيره.
واقع جيوسياسي جديد وتوازنات مستقبلية
ويرى مراقبون، إن استثمار تركيا لقمة أنقرة تجاوز اللقاءات البروتوكولية إلى فرض واقع جيوسياسي جديد، تظهر فيه أنقرة كحارس للبوابة الشرقية والجنوبية للحلف، ومزود رئيسي للتكنولوجيا الدفاعية التي تحتاجها أوروبا بشدة في ظل نقص المخزونات الغربية.
فمشروع خط أنابيب الوقود العسكري العابر للحدود نحو رومانيا وبلغاريا لم يكن إلا تجسيداً عملياً لتحول تركيا من دولة ممر للطاقة إلى دولة صانعة لأمن الطاقة الدفاعي، وهو ما يمنحها ميزة تفضيلية في أي مفاوضات مستقبلية داخل أروقة الحلف أو مع الاتحاد الأوروبي.
وفي ختام أعمال القمة التي احتضنها المجمع الرئاسي في “بيشته به” للمرة الأولى، بدا واضحاً أن تركيا استطاعت تحويل التحديات والضغوط الأمنية في محيطها الجغرافي إلى فرص لتعزيز الاندماج في بنية الأمن القومي الأوروبي والأطلسي.
ونجحت في إيصال رسالة مفادها أن الناتو في المرحلة المقبلة لا يمكنه العمل بكفاءة دون الاعتماد على القوة العسكرية التركية والقدرات الابتكارية لصناعاتها الدفاعية، مما يجعل من أنقرة الشريك الأكثر حيوية في مواجهة تهديدات المستقبل العابرة للحدود، وبناء توازنات دولية أكثر اتزاناً واستدامة خلال العقد المقبل وما بعده.







