تقارير

في اليوم العالمي للعمل الإنساني.. قطر ترسم لوحة التضامن العالمي بمداد العطاء (تقرير)

تحتفي الأسرة الدولية في التاسع عشر من آب/أغسطس من كل عام بالقيم الإنسانية النبيلة التي تتجاوز الحدود والجغرافيا، لتضع كرامة الإنسان فوق كل اعتبار.

ويأتي اليوم العالمي للعمل الإنساني هذا العام في وقت يشهد فيه العالم تزايدًا مطردًا في وتيرة النزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية، وتداخل أزمات الطاقة والغذاء التي ألقت بظلالها الثقيلة على المجتمعات الهشة، واتسعت معها فجوة الاحتياجات الإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة، وسط نقص حاد في التمويل الدولي وتحديات أمنية جسيمة تواجه الكوادر الإغاثية في الميدان.

وفي هذا المشهد الإنساني المعقد، تبرز دولة قطر كمنارة للأمل ونموذج عالمي ملهم في الاستجابة للأزمات، انطلاقًا من نهجها الراسخ في نصرة الإنسان ومد يد العون للمحتاجين في أصعب الظروف.

وهو نهج أسس له المغفور له الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، الذي شكّل دعمه اللامحدود للعمل الخيري محطة فارقة في مسيرة العطاء القطري، وأسهمت رؤيته في تعزيز حضور الدولة في ميادين التنمية الدولية، ليواصل من بعده الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، قيادة هذه الرسالة الإنسانية السامية وتعزيز دور قطر كلاعب محوري في دعم جهود الإغاثة والوساطة وصون السلم العالمي، بما يجسد القيم الأصيلة للمجتمع القطري والتزامه الأخلاقي تجاه البشرية جمعاء.

وشارك صندوق قطر للتنمية في الوقفة التضامنية التي نظمها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” في بيت الأمم المتحدة بالدوحة، بمشاركة الشركاء الفاعلين في الميدان، تعبيرًا عن التضامن الكامل مع العاملين في المجال الإنساني الذين يخاطرون بحياتهم لإيصال المساعدات المنقذة للحياة. وأكد الصندوق أن التعاطف وحده لا يكفي، بل يجب أن يُترجم إلى حماية حقيقية تضمن سلامة عمال الإغاثة وتسهل وصولهم الآمن إلى المتضررين، باعتبار ذلك مسؤولية عالمية مشتركة لتجنب عواقب إلحاق الأذى بالإنسانية وترسيخ مبادئ العدالة والسلامة للجميع.

وعلى صعيد التحركات الدبلوماسية، أكد المندوب الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة أن الدوحة تستحضر بكل تقدير تضحيات أولئك الذين جعلوا من خدمة الإنسان رسالة سامية، ويواصلون عملهم بشجاعة وتفانٍ في أقسى الظروف، حاملين مشاعل الأمل للمتضررين من الحروب والكوارث.

وشدد على أن المقاربة القطرية تستند إلى جعل الإنسان واحتياجاته أولوية قصوى، مع تعزيز الشراكات الدولية وتثمين الدور المحوري للمتطوعين، إيمانًا بالقول المأثور “أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس”.

ويتجسد السجل الإنساني القطري خلال العامين الماضيين في سلسلة من التدخلات النوعية التي شملت مختلف قارات العالم. ففي القارة الأوروبية، كانت قطر حاضرة بقوة لمساندة مملكة إسبانيا في مواجهة حرائق الغابات التي اندلعت في آب/أغسطس 2026، حيث أرسلت الدولة فريقًا متخصصًا من مجموعة البحث والإنقاذ القطرية الدولية “لخويا”، ضم 129 خبيرًا في مكافحة الحرائق والدعم اللوجستي، معززين بآليات متطورة ومروحيات للإجلاء عبر جسر جوي عاجل، عكس سرعة الاستجابة القطرية للأزمات الطارئة.

وفي أمريكا اللاتينية، هبّت قطر لنجدة جمهورية فنزويلا البوليفارية إثر الزلازل والكوارث الطبيعية في حزيران/يونيو2026، حيث تم تسيير جسر جوي عاجل ونشر فرق البحث والإنقاذ، وتوفير مستشفيات ميدانية ومساعدات طبية وغذائية وإيوائية متكاملة لتخفيف معاناة المنكوبين.

أما في السودان، فقد استمر الجسر الجوي الإنساني القطري دون انقطاع لمواجهة تداعيات الفيضانات والأزمات المتلاحقة، حيث وصلت سفينة مساعدات ضخمة تحمل أكثر من 2400 طن من المواد الإغاثية في كانون الثاني/يناير 2026، بالشراكة مع إدارة الكوارث التركية “آفاد”.

كما أطلق صندوق قطر للتنمية، بالتعاون مع الهلال الأحمر القطري، جسرًا لوجستيًا بريًا لتوفير الأدوية الحيوية والمستلزمات الطبية للمستشفيات السودانية، وتُوّجت هذه الجهود بتخصيص عشرة ملايين دولار لدعم النساء والفتيات المتضررات من النزاع، وهو ما أعلنته الدكتورة مريم بنت علي بن ناصر المسند، وزير الدولة للتعاون الدولي، خلال زيارتها الميدانية لمدينة بورتسودان.

وفي الملف الأفغاني، تحولت الاستجابة القطرية من الإغاثة العاجلة إلى التنمية المستدامة. فبعد الزلزال المدمر في أيلول/سبتمبر 2025، الذي استدعى تسيير تسع طائرات عسكرية ومشاركة 180 كادرًا من “لخويا”، وقع صندوق قطر للتنمية اتفاقية بقيمة تقارب 5 ملايين دولار مع منظمة الصحة العالمية لدعم الخدمات الصحية في أحد عشر إقليمًا نائيًا، ليستفيد منها أكثر من مليون شخص.

كما تم تمويل مشاريع تعليمية بقيمة تجاوزت عشرة ملايين دولار بالتعاون مع اليونيسف لإعادة تأهيل المدارس وتدريب المعلمين، مما مكّن أكثر من ثلاثين ألف طفل، من بينهم نسبة كبيرة من الفتيات، من العودة إلى مقاعد الدراسة.

وتبقى القضية الفلسطينية وجرح غزة النازف في قلب الاستجابة القطرية، حيث سجلت الدولة أرقامًا قياسية في الدعم الإغاثي خلال عامي 2025 و2026  عبر تسيير 119 طائرة عسكرية، وإرسال 1500 شاحنة مساعدات برية، وتوزيع ثلاثمئة وثمانية وستين ألف سلة غذائية ومئة ألف خيمة إيواء، فضلًا عن تزويد القطاع بخمسة وثلاثين مليون لتر من الوقود لدعم المنشآت الحيوية في ظل الحصار والعدوان الإسرائيلي.

وفي سوريا، تركز الدعم القطري على قطاعات استراتيجية تمس حياة الملايين، حيث قدّم صندوق قطر للتنمية دعمًا كهربائيًا بطاقة ثمانمئة ميغاوات لمدة عام كامل، مما أسهم في رفع ساعات التغذية الكهربائية إلى ست عشرة ساعة يوميًا، ووصولها إلى أربع وعشرين ساعة في بعض المحافظات.

كما تم تخصيص تسعة وثمانين مليون دولار بدعم مشترك مع الصندوق السعودي للتنمية، وبالتنسيق مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، لتغطية رواتب العاملين في القطاع العام بقطاعات الصحة والتعليم والشؤون الاجتماعية والمتقاعدين المدنيين لمدة ثلاثة أشهر، لضمان استمرار الخدمات الأساسية.

ولم يكن لبنان بعيدًا عن قوافل الخير القطرية، حيث وصلت مئة طن من الأدوية والمساعدات الطبية في أبريل ألفين وستة وعشرين، استفاد منها عشرات الآلاف.

كما قامت وزير الدولة للتعاون الدولي بزيارة مشتركة مع ممثلين من المملكة المتحدة وفرنسا في حزيران/يونيو 2026، لتنسيق الجهود الدولية لدعم استقرار لبنان ومساندة شعبه.

وتعمل المؤسسات الخيرية القطرية، وعلى رأسها قطر الخيرية، في تناغم تام مع التوجهات الرسمية للدولة، حيث تمكنت عبر أربعة عقود من الخبرة الميدانية وشراكاتها الدولية الواسعة من الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا في عشرات الدول، مؤكدة أن الوصول الآمن والسريع إلى المتضررين هو جوهر رسالتها الإنسانية.

وشددت قطر الخيرية، في هذه المناسبة، على ضرورة احترام القانون الدولي الإنساني وحماية الفرق الميدانية والشركاء المحليين الذين يقفون في الصفوف الأولى للاستجابة، موجهة التحية لهؤلاء الجنود المجهولين وللمتبرعين وأهل الخير الذين يشكل دعمهم الركيزة الأساسية لاستمرار هذا العطاء.

إن الاحتفاء باليوم العالمي للعمل الإنساني يمثل وقفة لتجديد الالتزام القطري بالمسؤولية المشتركة تجاه الإنسان أينما كان، وستظل قطر وفية لإرثها الإنساني المشرق، محوّلة الأزمات إلى فرص للبناء والتنمية، ومجسدة أرقى معاني التضامن الدولي من أجل بناء عالم يسوده الأمل وتصان فيه الكرامة الإنسانية للأجيال القادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى