
لم يتوقف تأثير انتقال النجم المصري محمد صلاح إلى نادي طرابزون سبور التركي عند حدود كرة القدم، إذ بدأت صفقة انتقاله إلى النادي الواقع على ساحل البحر الأسود تنعكس على جوانب أخرى في حياة المدينة، من السياحة والترويج الثقافي إلى مبيعات المنتجات الرياضية والاهتمام بالمواقع الطبيعية التي زارها اللاعب.
وتشير بيانات مديرية الثقافة والسياحة في ولاية طرابزون إلى ارتفاع عدد السياح المصريين الذين أقاموا في المدينة ليلة واحدة على الأقل خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026 إلى 5 آلاف و558 سائحاً، مقابل 4 آلاف و450 خلال الفترة نفسها من العام الماضي، بزيادة بلغت نحو 25 في المئة.
وتزامن هذا النمو مع انتقال صلاح إلى طرابزون سبور في آب/أغسطس الماضي، إلا أن البيانات والجهات السياحية التركية تشير إلى أن الزيادة في السياحة المصرية كانت قد بدأت قبل وصول اللاعب، مدفوعة أيضاً بإطلاق رحلات جوية مباشرة بين القاهرة وطرابزون.
لذلك، فإن العلاقة بين الصفقة والنمو السياحي تُقرأ بوصفها عاملاً إضافياً عزز اهتمام المصريين بالمدينة، وليس باعتبارها العامل الوحيد وراء الزيادة.
55 في المئة خلال آب
كان شهر آب/أغسطس الأكثر وضوحاً في تسجيل الارتفاع، إذ قفز عدد السياح المصريين الذين أقاموا في طرابزون من 1151 شخصاً في آب/أغسطس 2025 إلى 1788 شخصاً في الشهر نفسه من 2026، بزيادة بلغت 55 في المئة.
ويكتسب هذا الرقم أهمية خاصة لأنه جاء في الشهر الذي شهد انتقال صلاح إلى طرابزون سبور، بعدما أعلن النادي في السادس من آب/أغسطس توقيع عقد لمدة عامين مع اللاعب المصري، في صفقة تصنف ضمن أبرز الانتقالات في تاريخ الدوري التركي.
وبحسب بيانات النادي المعلنة عبر منصة الإفصاح العام التركية، يحصل صلاح على 10 ملايين يورو راتباً سنوياً، إضافة إلى 7 ملايين يورو كدفعة توقيع عن كل موسم، ليصل إجمالي المقابل المالي المضمون إلى 17 مليون يورو سنوياً، فضلاً عن مكافآت مرتبطة بالأداء.
كما ينص اتفاق منفصل لحقوق الصورة على حصوله على 20 في المئة من عائدات المنتجات التي تحمل اسمه وتباع عبر شركة التجزئة التابعة للنادي.
لكن صعود حركة السياحة المصرية لم يبدأ مع صلاح وحده. ففي الأشهر السبعة الأولى من عام 2026، ارتفع عدد السياح المصريين في طرابزون بنسبة 14 في المئة على أساس سنوي، فيما بدأت في الخامس من آب/أغسطس رحلات “تشارتر” مباشرة بين القاهرة وطرابزون بمعدل رحلتين أسبوعياً حتى نهاية أكتوبر، وهو عامل ساهم في تسهيل الوصول المباشر إلى المدينة.
وبذلك اجتمعت في توقيت واحد عوامل عدة، بينها تحسن الربط الجوي، ونمو الطلب السياحي المصري، ثم الحضور الإعلامي الكبير لصلاح، الذي منح طرابزون مساحة إضافية في الإعلام المصري ومنصات التواصل الاجتماعي.
من الملعب إلى مطبخ البحر الأسود
لم يقتصر الحضور الجديد لطرابزون في مصر على مباريات كرة القدم، بل امتد إلى نمط الحياة المحلي. فقد حظيت المقاطع التي ظهر فيها صلاح وهو يتذوق أطباقاً محلية في المدينة بتداول واسع، وهو ما ساعد في لفت الانتباه إلى مطبخ منطقة البحر الأسود.
وتقول مديرية الثقافة والسياحة في طرابزون، إن انتقال اللاعب المصري أضاف بعداً جديداً إلى شهرة المدينة في مصر، بينما أكد مدير الثقافة والسياحة في الولاية تامر أردوغان أن الصفقة رفعت مستوى ظهور طرابزون في السوق المصرية، وأتاحت فرصة لاستثمار الشعبية العالمية للاعب في الترويج للمدينة.
وأعلنت المديرية عن التحضير لفعاليات سياحية في مصر تحت عنوان “أيام الترويج لطرابزون” خلال الأشهر المقبلة.
ولا تعتمد طرابزون في حملتها السياحية على السوق المصرية وحدها. فالمدينة استقبلت خلال عام 2025 نحو 1.5 مليون زائر، بينهم 808 آلاف زائر أجنبي، بينما بلغ عدد السياح المصريين الذين زاروها في العام نفسه نحو 7125 سائحاً.
وترى السلطات السياحية المحلية أن شهرة صلاح قد تساعد في توسيع دائرة التعريف بالمدينة، خصوصاً أن مباريات طرابزون سبور تُبث في عشرات الدول، ما يمنح اسم المدينة حضوراً يتجاوز جمهور النادي داخل تركيا.
“مرتفعات صلاح”.. حين تتحول الصورة إلى مقصد
من أبرز مظاهر التأثير السياحي المرتبط بصلاح، ما حدث في مرتفعات “قورت ديري” التابعة لولاية طرابزون.
فخلال إحدى جولاته في المنطقة، نشر اللاعب صوراً له وهو يجلس على صخرة وسط الطبيعة، قبل أن تنتشر الصور على نطاق واسع بين متابعيه.
وسرعان ما بدأ مشجعون وزوار بالتوجه إلى الموقع لالتقاط صور مشابهة، لتتحول الصخرة من معلم طبيعي عادي إلى نقطة جذب مرتبطة باسم اللاعب.
وبحسب تقارير محلية، دفعت زيادة الإقبال بلدية طرابزون الكبرى إلى التدخل في الموقع، حيث وضعت مقعداً بجوار الصخرة، كما ظهرت لافتة تحمل اسم “مرتفعات صلاح”، في محاولة لتنظيم استخدام الموقع وتوفير مساحة للزوار الراغبين في التقاط الصور.
وهكذا تحولت زيارة قصيرة للاعب إلى قصة سياحية قائمة بذاتها، خصوصاً مع انتشار صور ومقاطع لزوار يقلدون وضعية صلاح على الصخرة، ما منح الموقع حضوراً جديداً على منصات التواصل الاجتماعي.
قفزة تجارية لطرابزون سبور
الانعكاسات لم تتوقف عند السياحة، بل ظهرت بصورة أكثر مباشرة في مبيعات النادي.
فبحسب معلومات نقلتها وسائل إعلام تركية عن بيانات مرتبطة بالنادي، تجاوزت مبيعات قمصان طرابزون سبور 116 ألف قميص خلال أقل من شهرين من بداية الموسم، مقارنة بنحو 46 ألف قميص خلال الفترة نفسها من الموسم الماضي، بزيادة بلغت 152 في المئة.
وبلغت قيمة المبيعات نحو 520 مليون ليرة تركية، أي ما يعادل قرابة 10.6 مليون دولار وفق سعر الصرف المستخدم في التقارير، مع الإشارة إلى أن الرقم يتعلق بالمبيعات ويشمل تكاليف التصنيع والتوزيع وغيرها من المصروفات المرتبطة بالمنتجات.
وتكتسب هذه القفزة أهمية إضافية بالنسبة للنادي، الذي باع نحو 200 ألف قميص طوال الموسم الماضي، ما يعني أن وتيرة المبيعات الحالية تضعه أمام إمكانية تجاوز الرقم السابق خلال الموسم الجاري إذا استمر الطلب بالمعدلات نفسها.
أما صلاح، فيحصل وفق عقد حقوق الصورة المعلن على 20 في المئة من عائدات المنتجات التي تحمل اسمه، ما يربط نجاح اللاعب التجاري مباشرة بنمو مبيعات المنتجات الرسمية للنادي.
رهان طرابزون على “تأثير صلاح”
وتحاول الجهات السياحية في طرابزون تحويل الزخم الحالي إلى نشاط طويل الأمد، بدلاً من التعامل معه باعتباره موجة مؤقتة مرتبطة بانتقال لاعب عالمي.
وتعمل مديرية الثقافة والسياحة على استهداف أسواق جديدة في شرق آسيا وشمال إفريقيا، فيما أعدت وكالات سفر برامج من أوزبكستان لحضور مباريات طرابزون سبور، في مؤشر على إمكانية الربط بين كرة القدم والسياحة بصورة أوسع.
وبينما يصعب عزل تأثير محمد صلاح وحده عن عوامل أخرى مثل الرحلات الجوية المباشرة وحركة السياحة الموسمية، فإن الأرقام المسجلة في أغسطس، إلى جانب الاهتمام بالمواقع التي زارها اللاعب والقفزة الكبيرة في مبيعات قمصان النادي، تعكس اتساع تأثير الصفقة خارج الملعب.
وبالنسبة لطرابزون، لم يعد اسم صلاح مرتبطاً فقط بقميص الفريق ونتائج المباريات، بل بدأ يظهر في المطاعم والمواقع الطبيعية ومتاجر النادي والمواد الترويجية للمدينة.
أما بالنسبة لمصر وتركيا، فقد أضافت الصفقة قناة جديدة للتواصل السياحي، تقوم على شعبية لاعب تجاوز حضوره حدود الرياضة ليصبح جزءاً من الصورة الجديدة التي تحاول طرابزون تقديمها لجمهور أوسع في المنطقة والعالم.





