مدونات TRهام

تركيا التي تنتظر متابعة بناء مجدها

الانتخابات التركية في 24 حزيران/يونيو الجاري ستكون كشف حساب حقيقي لتجربة عاش فصولها الشعب التركي طيلة ستة عشر عاماً.

ولذلك لا يملك المتابع لتجربة تركيا النهضوية الحديثة التي بدأت مع صعود حزب العدالة والتنمية للحكم عام 2002 غير التدقيق والمطابقة بين الأرقام والوقائع التي تخصّ هذه التجربة.

ويمكن اختصار هذه العملية الكبيرة والمتشعبة ببضع كلمات تكون تكثيفاً حقيقياً عنها، فنستطيع القول أن تركيا انتقلت من موقعها القديم قبل عام 2002 في سلسلة الدول المصنفة عالماً ثالثاً إلى موقع جديد وضعها في سلسلة الدول الأكثر تقدماً اقتصادياً على المستوى العالمي.

هذا الموقع الجديد أثار حفيظة قوى مختلفة، فالشعب التركي الذي لمس الفارق الجوهري بتبدل مستوى حياته الاقتصادية والاجتماعية والعلمية والثقافية صار معنياً بالحفاظ على هذا الموقع، بل صار معنياً بالتقدم به نحو مراتب أكثر تقدماً.

أما بالنسبة للقوى التي تشعر بعدم رضا على هذا التقدم فهي تحسّ بضرورة وقف عجلة دورانه من خلال محاولة خلق أزمات مختلفة، منها سياسية ومنها اقتصادية ومنها حتى إعلامية.

فعلى الجانب السياسي، ورغم التقدم الكبير على صعد الحياة التركية المختلفة، وأولها الجانب القضائي واستقلاليته، والتطور الاقتصادي المضطرد، ومعايير التعليم والبحث، إضافة إلى الحريات المبذولة للتعبير والاجتماع وتشكيل الأحزاب والمنافسة في انتخابات شفّافة ونزيهة، نجد دولاً عديدة تشكك بوفاء تركيا بمعايير انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وكأن دول الاتحاد الأوروبي تقف على مسافة واحدة من النمو الاقتصادي والمعايير سياسية.

ورغم ذلك يعرف الاتحاد الأوروبي معنى وقيمة انضمام تركيا إليه من منطلق النمو المضطرد للاقتصاد، فلا اجتماع حقيقياً بدون اقتصاد حقيقي، ولذلك فعربة الجر الاقتصادية التركية ستكون فاعلة في هذا الاتحاد، وهذا ما تخشاه قوى سياسية أوروبية من تراجع دورها، وخوفها من دور تركي يبني السلام وجسوره مع العالم وفق قواعد العدالة الإنسانية.

إنّ محاولات الإساءة لتجربة الشعب التركي التي انطلقت دورتها منذ عام 2002 لن تحبط هذا الشعب سواءً كانت الإساءة إقتصادية كما جرى في حرب الآخرين على الليرة التركية، أو محاولة إظهار الحزب الحاكم وقيادته وحلفائه وكأنهم قوى اختطفت الديمقراطية والحريات، بينما الواقع الملموس يشهد بعكس ذلك.

إن العرقلة المفتعلة لن تجد لها أرضاً لدى شعب مصمم على متابعة درب تطوره الاقتصادي، أو دوره السياسي في دفع الظلم والقهر عن الشعوب الأخرى، فالشعب التركي الذي استضاف قرابة 4 ملايين سوري وفسح في المجال لهم للمساهمة في الحياة الاقتصادية والثقافية، وأتاح لأبنائهم فرص متابعة التعليم بكل مراحله، ولم يبخل عليهم بمراجعة مؤسساته الصحية، هذا الشعب يفعل ذلك من أجل مساعدة السوريين بمواجهة مصاعب الحياة ومستلزماتها في انتظار عودتهم إلى وطنهم دون خوف بعد سريان فعل الحل السياسي الذي يشارك ببنائه الأتراك.

إن شعباً يحب العدالة ويبذل من أجل تحقيقها كل جهود ممكنة وتضحيات مقدور عليها هو شعب يمكنه ببساطة تجاوز صعوبات وعراقيل يضعها خصومه، ويمكنه اختيار من يمثله بإرادة حرّة من أجل الاستمرار ببناء تركيا الحديثة القوية العادلة.

الانتخابات التركية هي انتخابات حاسمة في اختيار الاتجاه الذي سيسير عليه الشعب التركي، هذا الشعب الذي بنى حضارة عملاقة لا يزال يتوق إلى أخذ دوره الحقيقي ومكانته الطبيعية تحت شمس هذا العالم من أجل رفدها بطاقات متجددة من العطاء العلمي والثقافي والأخلاقي إضافة إلى العطاء الاقتصادي الكبير.

الوسوم
اظهر المزيد

أسامة محمود آغي

أديب وإعلامي سوري

مقالات ذات صلة

إغلاق