
القاهرة (مصر) / هيثم السويفي / وكالة أنباء تركيا
أطلت الرواية التركية بقوة على القارئ العربي بعد غياب طال أمده، وعادت لتطرح على المثقفين أسئلتها وإشكالاتها المتنوعة، كي تستعيد مكانتها المستقرة في أسواق الأدب والإبداع، وبعودتها أرادت أن تثير النقاش مطولًا بين الكاتب والقارئ، عبر إضاءة النقاد لتنوعها وتحدياتها، وتعطش أرفف المكتبات لتنهل المزيد وتشبع المشهد الثقافي في الداخل التركي ومن ثم انعكاساتها على المذاق والمزاج العربي.
وتأتي الرواية التركي دائما بمثابة نص مواز للواقع، تأخذ من الواقع بقدر ما تعيد إليه من أسئلة وافتراضات واستجوابات، وهي نص المستقبل الأدبي، ومنطقة التقاطعات الحوارية، فهي تتميز بأنها نص يقبل التعدد، ويسمح بالتأويل، ويرضى بالتجاوز والاختلاف.
وعلى الرغم من اقتحام الرواية عالم الأدب التركي الثري في وقت مبكر بعد انتصاف القرن الثامن عشر بقليل، عن طريق ترجمة الروايات الفرنسية، وكانت أولى بذور الرواية التي نبتت في تربة الأدب التركي، هي «ترجمة تملق» والتي خطها يوسف كمالو، لتشكل نواة مثالية تبعتها ترجمات متتالية، أبرزها «البؤساء» لفيكتور هوجو عن طريق منيف باشا باسم «قصة المغدورين»، ومن هنا تشكلت لدي شمس الدين سامي قناعات خاصة، أزاحت الستار عن «عشق طلعت وفتنة» عام 1839، كأول رواية تركية بحبكة بسيطة وتفاصيل كلاسيكية، إلا أن ما عبر منها إلى بلاد العرب يبقى نذرا يسيرا، يمكن حصره بين ذروة باموق وسطوع شافاق.
ذروة باموق
حظيت الرواية بعد رحلة زمنية طويلة بتتويج مدرسة أورهان باموق في الفضاء السردي التركي، والذي وضع تركيا على خريطة الأدب العالمي، خاصة بعد حصوله على جائزة نوبل للآداب عام 2006، ويرجع إليه الكثير من الفضل في فتح أفاق عربية نفذت إليها الرواية التركية، بل ربما ارتبطت الرواية التركية في الذهن العربي باسم صاحب «اسمى أحمر».
ويمتلك الفائز بجائزة «نوبل» زخمه الخاص وطرائقه اللافتة في الكتابة، فعلى الرغم من ولوج باموق في صميم المجتمع الواقعي، وتقديمه بتفاصيله الدقيقة، إلا أنه استخدم الصورة اللغوية الخاصة به التي التصقت في ذاكرة القراء كـ«اسمى أحمر» و« الكتاب الأسود»، التي جاءت مستفزة لما استقر في الوعي الجمعي ووثقته الذاكرة الشعبية.
ولم يحمل باموق بمفرده الرواية التركية نحو العالمية، بل يدين الأدب التركي أيضا بالعديد من الأسماء الراقية قبل بزوغ فجر أورهان بعقود، على رأسها يشار كمال، والذي ترجمت أعماله إلى أكثر من 30 لغة، وحصل على العديد من الجوائز العالمية، ليحمل في حقائبه مفردات «تيار الريف» الذي ظهر في منتصف الخمسينيات، ليقدم تمازج المجتمع بكافة مفرداته وشخوصه، فكانت رائعته «ميميد الناحل»، و«صفيحة».
ما قبل نوبل
تقويم الرواية التركية بعصر ما قبل نوبل وما بعدها، يفتح الباب لطريق طويل ومنعطفات حادة، بدأت مع عصر التنظيمات، الذي بدأ بهدف تنظيم شؤون الدولة العثمانية على نحو مشابه للدول الأوروبية، وربما قبل هذا التاريخ بقليل.
ويربط البعض بين مراحل تطور التجربة الروائية التركية، من منظور الرواية بسياقها الأدبي أو الاجتماعي أو السياسي، فضلا عن الأدوار التنويرية التي خاضها المجتمع في مراحل تكون الدولة، ثم أخذت في التطور، حتى وصلت إلى محطة «المعلم الأول» أحمد مدحت أفندي الذي توجه مباشرة إلى القارئ وجعله حجر الأساس في أعماله، ليبدع رائعته «الإنكشاريون» عام 1871، والتي تعد أول نواة للرواية التاريخية التركية، ثم عمد إلى مزيد من التطوير، وفتح آفاق أكثر رحابة عبر «أسرار الجناية»، والتي عرفت معها الرواية اللون البوليسي.
والمتأمل في تلك البدايات يجد أنها جاءت ثرية على نحو لافت، فبزغت أسماء مثل «معلم النثر» خالد ضياء، صاحب رواية “العشق الممنوع”، ومحمد رؤوف برواية «أيلول» التي يعتبرها النقاد أول رواية تنتمي إلى مذهب التحليل النفسي، ومع أفول نجم الدولة العثمانية، طفت بوادر القومية التركية في الرواية، وتجلت في روايات خالدة أديب، وكتبت أول رواية عن حرب الاستقلال «القميص الناري».
وجاءت إشكالية الهوية بعد تأسيس الجمهورية عام 1923، وصرام الشرق والغرب في الرواية التركية، وظهور أنقرة كوريث شرعي بدلاً من اسطنبول، ظهور نمط جديد في السرد، جسده يعقوب قدري في رواية «أنقرة»، وتناولت الحياة الاجتماعية في العاصمة الجديدة بعد إنشاء الجمهورية.
مدرسة الواقعية
حملت التغيرات السياسية ظهور تيار الواقعية، والذي يعد صباح الدين علي، صاحب رائعة «مادونا صاحبة المعطف الفرو»، كما يعتبر النقاد رواية «المضجع الخارجي التاسع» لبيامي صفا، أفضل رواية في التحليل النفسي، كما برز اسم الروائي أورهان كمال، أحد أبرز كتّاب الواقعية الاشتراكية، تناولت أعماله حياة البرجوازية الصغيرة، ومسألة هجرة أهل القرى إلى المدينة.
واستمر نمو تيار الواقعية جنبًا إلى جنب مع رواية التحليل النفسي التي أبدع فيها يوسف أتيلجان في «الرجل الضال»، وقد تجلى أثر الصراع السياسي المحتد بين اليمين واليسار على الرواية، فظهر الانقلاب العسكري عام 1960 على عدنان مندريس، وأثره على المجتمع التركي، في روايات وداد ترك علي ومليح جودت وإردال أوز.
واقع متغير
أما المرحلة الثالثة «الانطلاق» جاءت مع بداية التسعينيات، ويُلاحظ عليها تسارع إيقاع الإنتاج الروائي، وزيادة تراكمه وعبور نفق الارتباك، إلا أن المتتبع النقلة العالمية التي أحدثها أورهان باموق، ما لبثت أن شهدت ظهور جيل جديد من المبدعين، حيث بزغ نجم إليف شافاق صاحبة رواية “قواعد العشق الأربعون” الشهيرة، والتي استطاعت أن تحظى بأكبر عدد من القراء، من خلال طرحها للقضايا السياسية والاجتماعية بجرأة عرّضتها للمحاكمة بعد صدور روايتها «لقيطة إسطنبول» عام 2006.
وإلى جانب شافاق، تقف عائشة كولين في مكانة مميزة خاصة أنها تعتمد على اختيار أبطال رواياتها من بين شخصيات حقيقية لعبت دورًا ما في المجتمع، وكذلك الروائي زولفو ليفانلي، صاحب رواية «اللاطمأنينة» التي عالجت قضية الطائفية في الشرق الأوسط.
ووضع الروائي أحمد أوميت، اسمه في قائمة الأكثر مبيعا، كأبرز كتاب الرواية التاريخية البوليسية في تركيا، حيث يمزج الأحداث الواقعية بالخيال، وهو الذي نسجه ببراعة في رواية “قتل السلطان”.
وعلى الرغم من الإرث التركي العريق في عالم الرواية، إلا أن ما عبر منه الحدود صوب الجوار العربي لا يتناسب مع هذ الإنتاج الثري، وهو ما أرجعه الباحث والمترجم أحمد زكريا، إلى أن اطلاع العرب على الثقافة التركية، يتم دائمًا عبر وسيط أوروبي، وأبرز مثال على ذلك، أن رواية «اسمي أحمر» لباموق، تُرجمت إلى العربية قبل أن تترجم إلى الفرنسية بعام، لكنها لم تلق رواجًا في العالم العربي إلا بعد صدورها بالفرنسية.
والمتابع للرواية التركية يلاحظ أنها قد بدأت إصلاحية، وانتهت كاشفة للواقع ومتقاطعة معه، وقد انطلقت إبداعية في سردها، وإصلاحية في رسالتها، بيد أنها كانت أقل انتشارا في أوقات كثيرة من الناحية الفنية، وفي لحظة تركيزها على أزمة الفرد، وهواجسه، وبحثها عن فهم تركيبة المجتمع تميزت بتطور فني ملموس، وتخطت الحدود نحو عالمية تستحقها.







