
أكدت خطبة الجمعة في عموم مساجد تركيا، اليوم الجمعة، على أن ذكرى محاولة الانقلاب الفاشل في 15 تموز تمثل محطة لتجديد الوعي بخطورة توظيف الدين لتحقيق أهداف سياسية أو تنظيمية.
ولفتت إلى أن تنظيم فتح الله غولن الإرهابي استغل القيم الإسلامية والمفاهيم الدينية لخدمة أجندته، داعية إلى التمسك بالفهم الصحيح للدين، وتعزيز الوحدة الوطنية، والحذر من كل أشكال الفتنة ومحاولات بث الفرقة داخل المجتمع.
خطبة الجمعة
سيُظهر التقويم يوم الأربعاء المقبل مرة أخرى تاريخ 15 تموز/يوليو، إنه اليوم الذي حاول فيه تنظيم فتح الله غولن الإرهابي، الذي تصفه تركيا بأنه أداة بيد قوى خارجية، الاعتداء على وحدتنا وأخوتنا وحريتنا واستقلالنا.
وفي المقابل، فهو اليوم الذي أفشل فيه شعبنا الأبي، بعون الله وتوفيقه، مخططات الخونة، واتحد فيه الرجال والنساء، والشباب وكبار السن، في موقف واحد، ولبّى نداء الوطن مع أصوات التهليل والدعاء التي ارتفعت من المآذن، دفاعاً عن الوطن، والقيم الوطنية والدينية، والاستقلال والمستقبل.
لقد آمن شعبنا إيماناً راسخاً بقوله تعالى ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، ولذلك ظل عبر التاريخ يذود عن دولته ورايته ومقدساته، ويقف في وجه الرصاص، ولا يسمح للمعتدين بتحقيق مآربهم.
وعلى الذين نفذوا اعتداء 15 تموز الفاشل، أو ما زالوا يخططون للخيانة، أو لا يوقرون دماء الشهداء، أن يعلموا أن هذا الشعب البطل لم يكن يوماً بلا دولة، ولن يكون كذلك بإذن الله.
إن الذي جعل أمتنا تحكم ثلاث قارات، وفتح أبواب الأناضول للإسلام في معركة ملاذكرد، وغيّر مجرى التاريخ بفتح إسطنبول، ومنحها القوة في جناق قلعة وحرب الاستقلال، وجعلها تقول “كفى” للخيانة في 15 تموز؛ هو تسليمها لله، وإيمانها الراسخ، ووعيها بقيمة الشهادة.
ويعبّر الشاعر عن هذه الحقيقة بقوله: الدم هو الذي يجعل الرايات رايات، والأرض لا تصبح وطناً إلا إذا رُويت بدماء من ضحّوا من أجلها.
إن أكثر ما يميز تنظيم غولن الإرهابي عن غيره من شبكات الخيانة هو استغلاله للدين الإسلامي الحنيف وللقيم الإسلامية السامية.
فقد تظاهر بالحق، واستغل مفاهيم أصيلة في حضارتنا مثل “الشيخ”، و”الجماعة”، و”الخدمة”، لتحقيق أطماعه الدنيئة، وأخفى أهدافه الحقيقية، وأفسد مستقبل كثير من الشباب، واعتبر الكذب والنفاق وسائر صور الشر أموراً مشروعة لتحقيق مصالحه.
كما حوّل عبادات عظيمة، مثل الزكاة والصدقة والأضحية، إلى وسائل لخدمة أهدافه الخفية.
وقد وصف الله تعالى هذه الفئة بقوله “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَٰكِن لَا يَشْعُرُونَ”.
إن الذين يسعون إلى تقسيم وطننا وإضعاف وحدتنا وتماسكنا لم يتخلوا عن أهدافهم.
وستواصل الجهات الساعية إلى الشر استغلال الدين، وابتكار أساليب وأقنعة جديدة لاستهداف عقيدتنا، وأخوتنا، ووحدتنا المجتمعية، وستحاول كلما سنحت لها الفرصة زرع بذور الفتنة والإخلال بأمن مجتمعنا واستقراره.
ولكي لا نتيح المجال لمثل هذه التنظيمات الانتهازية، ولا نقع في شراكها، فعلينا أن نتعلم القرآن الكريم وسنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من العلماء الثقات والمؤسسات الموثوقة، وأن نترجم هذا الفهم الصحيح إلى واقع في حياتنا.
كما ينبغي أن نحرص على تزويد أطفالنا وشبابنا بالعلم الديني الصحيح، وأن نعزز الثقة والإخلاص وروابط الصداقة والأخوة داخل الأسرة والمجتمع.
ولا ينبغي أن نستسلم لفكرة أن مثل هذه الأخطار قد انتهت، بل يجب أن نتحلى دائماً بالحكمة والبصيرة، وأن نتذكر أن الفتنة لا تنام، وأن الخيانة تترصد الفرص، وأن الأعداء يغيّرون أساليبهم باستمرار.
وفي هذه المناسبة، نسأل الله تعالى الرحمة لشهدائنا الأبرار الذين ضحوا بأرواحهم دفاعاً عن الدين والوطن والمقدسات، كما نسأله أن يتغمد برحمته المحاربين القدامى الذين انتقلوا إلى جواره.
ونختتم خطبتنا بقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم “بئس العبد عبدٌ جعل الدين وسيلةً للدنيا… وبئس العبد عبدٌ أضلته أهواؤه وشهواته”.




