مدونات TRمميز

حمزة تكين يكتب: في تموز أذلينا دبابات الانقلابيين.. ونحن اليوم أقوى

قبل 3 أشهر على وقوع المحاولة الانقلابية في تركيا مساء 15 تموز 2016، كنتُ قد كتبتُ مقالا حمل عنوان “حتمية انقلاب الجيش التركي”، جاءت ردًا على محاولات وسائل إعلام عربية وغربية، إيصال رسالة للجيش التركي أن ينقلب على رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، والحكومة الشرعية المنتخبة ديمقراطيًا.

وفعلا حصلت المحاولة الانقلابية التي قامت بها منظمة “فتح الله غولن” الإرهابية، بدعم خارجي واضح، ولكن 99% من أفراد الجيش التركي رفضوا خطوة منظمة “فتح الله غولن” الإرهابية، ففشل الانقلاب وانتصر الشعب.

ولذلك فإن الجيش التركي يخوض حاليا حربًا لا هوادة فيها، ضد التنظيمات الإرهابية التي تهدد أمن تركيا، ويلاقي بذلك تأييدًا شعبيًا واسعًا وإشادةً سياسيةً كبيرةً في الداخل التركي.

يُعد يوم الخامس عشر من يوليو/تموز 2016 يومًا مهمًا استطاعت فيه تركيا أن تعرّف نفسها للعالم بأسره على أكمل وجه، إذ قدمت مثالًا نموذجيًّا على قوتها، لا يمكن نسيانه أبداً، وأعطت لمن تسوّل له نفسه التخطيط لتدمير البلاد تحذيراً وإنذاراً رادعين.

لقد كان الكثيرون في هذا العالم يفضلون نجاح المحاولة الانقلابية الإجرامية، فقط من أجل التخلص من زعيم جاء إلى سُدة الحكم بأصوات أغلبية الشعب، أي بالديمقراطية.

إذا كانت الرغبة لدى هؤلاء في نجاح المحاولة الانقلابية، نابعة من مجرد النزعة الإسلامية الموجودة عند أردوغان، فلا شك حينها أن تلك الرغبة نابعة من كراهية الإسلام وعداوته، لا من كراهية شخص أردوغان وعداوته فحسب.

لم تكن الغاية الحقيقية لمحاولة انقلاب 15 تموز 2016، حكم تركيا والسيطرة على السلطة فيها، بل كانت غاية مختلفة وحيدة، هي جر تركيا لحالة من الفوضى والاضطرابات حتى تُصاب بالوهن والضعف، وعرقلة نهضتها وتقدمها حتى القضاء عليها لأنها تفسد حسابات النظام العالمي الظالم، وتقف شامخة دون تنفيذ مخططاته المشبوهة.

كان لصمود الرئيس رجب طيب أردوغان في تلك الليلة الصعبة، وإصراره على مقاومة شرذمة الانقلابيين، الأثر الأكبر في إجهاض هذه المحاولة الخبيثة التي كادت أن تطيح بكل ما وصلت إليه تركيا خلال السنوات الماضية من تقدم وتطور وازدهار وعدالة وتنمية.

لم يترك الرئيس بلاده ويهرب إلى أي مكان خارج تركيا، كيف ذلك وهو ابن هذا الوطن، وهو صاحب مسيرة كانت مليئة بالعقبات والمصاعب التي لم تمنعه يومًا من تحقيق النجاح، بتوفيق الله تعالى، وما المحاولة الانقلابية الفاشلة إلا حلقة جديدة حاول الخبثاء من خلالها إيقاف هذه المسيرة التي لا يملكها شخص الرئيس أردوغان فحسب، بل تعود ملكيتها لملايين المسلمين حول العالم.

“لن نسمح لأحد أن يُثني عزمنا”… جملة قالها الرئيس في تلك الليلة، بعثتِ الأملَ في قلوب الملايين من أبناء الشعب التركي، الذين نزلوا دون أي سلاح مادي، إلى الشوارع والمطارات والميادين يقاومون الدبابات والطائرات والرصاص الحي، فصمود الرئيس كان باعث أمل وباث إصرار على المقاومة.

“أردوغان قائد تاريخي”… ليس نحن من يقول هذا، بل كبار القوم في هذا العالم، منهم من يقولها حقدًا ودعوة للخلاص منه، وهو يمثل الكابوس الذي يلاحقهم في نومهم ويقظتهم، ومنهم من يقولها إشادة ودعمًا، ولكن كلا الطرفين متفقان على قيادته الناجحة المميزة.

ولا يختلف اثنان على المعجزة التي حققها الشعب التركي مساء 15 تموز/يوليو من العام 2016، بالفعل هي معجزة ربما ستبقى دوافعها وخفاياها تناقش ويُتداول بها لسنوات قادمة، فما حققه ذاك الشعب الأعزل في مواجهة الطائرات الحربية والدبابات والرصاص، انتصار عظيم بكل ما للكلمة من معنى.

لم يكتف الشعب التركي بما أظهره من بطولات كبيرة في مواجهة الطائرات والدبابات والمدرعات والرصاص الحي، ليلة الانقلاب الفاشل، ولم يكتف بدحر الانقلابيين في تلك الليلة، ومن ثم العودة إلى حياته بشكل طبيعي، بل تابع مسيرته في إبهار العالم، بالصمود والإصرار على حماية الشرعية مهما كلف الأمر.

إصرار تجلى بشكل واضح خلال 25 يومًا من الصمود في ساحات وميادين الولايات التركية الـ81 تحت عنوان “صون الديمقراطية”.

الملايين شاركوا بهذه الأيام والليالي التي لن تُمحى أبدُا من ذاكرة هذا الشعب، أيام وليال أعادت كتابة تاريخ الأناضول من جديد… أننا هنا مهما حصل ومهما خطط الخبثاء الحاقدون.

واستمرت أيام وليالي الصمود في الميادين، حتى توّجت بالحشد المليوني المهيب، الذي شهده ميدان “يني كابيه” في إسطنبول يوم 7 آب/أغسطس 2016 بدعوة من رئيس الجمهورية، القائد الأعلى للقوات المسلحة الطيب رجب طيب أردوغان.

أكثر من 5 ملايين شاركوا بهذا الحدث التاريخي، إلى جانب الرئيس أردوغان، وزعماء أهم الأحزاب التركية، في مشهد زاد من غيظ الأعداء، وزاد من إصرار الشعب على مبادئه.

إن منظمة “فتح الله غولن” الإرهابية ومن يقف خلفها من أعداء تركيا، لم يكونوا على علم بأن محاولتهم الانقلابية الخبيثة الفاشلة التي قاموا بها ضد تركيا، ومنها ضد كل الأمة، ستكون نعمة لا نقمة.

تلك الليلة التي ارتقى فيها شهداء عظماء، وبالرغم من خطورتها وشرها المحدق، تحولت مع ذاك القدر الذي يعلو على كل مكائد وشر كثيرٍ من أهل الأرض، تحولت من شر لخير، ومن نقمة لنعمة، ومن حزن لفرح عند المخلصين الطيبين.

لقد فضحت هذه المحاولة الانقلابية الكثير من الوجوه التي كانت تلبس أقنعة بيضاء برّاقة، وهي في حقيقتها سوداء حاقدة، سيكشف المستقبل القريب عن أصحابها شيئًا فشيئًا، وستتم محاسبتهم كل حسب حجمه.

أما عن المواقف الدولية من محاولة الانقلاب، فكل من يقرأ بتمعن لحظات تلك المحاولة الفاشلة وما رافقتها من ردود فعل دولية، يدرك تمامًا أن الترقب والحذر كانا يسيطران على مواقف الدول الكبرى، التي طالما صدعت رؤوسنا بالديمقراطية ومبادئها ومبادئ الحريات، حتى أنها شنت الكثير من الحروب الدموية على عدد من بلادنا الإسلامية تحت هذه الحجة، وقتلت الملايين من الرجال والنساء والأطفال والشيوخ، ودمرت الكثير من مدننا وعواصمنا تحت هذه الحجة أيضًا.

لم تبادر هذه القوى ـ كما كان من المفترض بها أن تفعل ـ إلى الرفض السريع للمحاولة الانقلابية في تركيا، بل تعامت عن مبادئ الديمقراطية والحريات، لأن الشأن متعلق بتركيا، تركيا الجديدة التي تسير بخطى ثابتة نحو ما ترفضه تلك القوى، وتنزعج منه كثيرًا.

الأمر كان واضحًا وضح الشمس في نهار يوم صاف، أن هذه القوى بلعت ألسنتها، وانتظرت تطور الأحداث، وإلى من ستؤول كفة الأمور، مع تمنياتها غير المعلنة، أن تنجح المحاولة الانقلابية في الإطاحة بذاك الرئيس الطيب الذي طالما فضح ازدواجية معاييرها الأخلاقية والديمقراطية والإنسانية، وطالما عرّى مبادئها القائمة فقط على تحقيق المصالح والمكاسب المادية على حساب الإنسان وحريته وكرامته وحقوقه.

وما أن بدأ فشل المحاولة الانقلابية يتكشف للعالم أجمع، فالشعب في الطرقات والساحات دعمًا للشرعية، والجيش رفض تمرد تلك الشرذمة القليلة، والمعارضة موحدة بموقفها ضد أي عبث بالديمقراطية التركية، حتى أدركت تلك القوى ومن معها أن الانقلاب سيفشل لا محالة.

بعد أن أدركت ذلك، لم تعد المساحات الإعلانية والإعلامية تتسع لبيانات التنديد بمحاولة الانقلاب والتأييد للسلطة الشرعية وللرئيس رجب طيب أردوغان!

لم تفضح المحاولة الانقلابية الفاشلة، تنظيم “فتح الله غولن” الإرهابي ومخططاته ضد تركيا والعالم الإسلامي فحسب، بل أكدت المؤكد أن كثيرًا من القوى العالمية الكبرى، كانت ـ ولا تزال ـ تنوي الشر وتبطن السوء لتركيا ونهضتها، ولكن هم لا يعلمون أن كل مخططاتهم السوداء تتبدد وتتلاشى أمام الإيمان الكبير والوحدة العظيمة.

حقيقة لم يكن الشعب التركي يعول أبدًا على الرفض السريع لتلك القوى للمحالة الانقلابية الفاشلة، ولم ينتظر الشعب التركي مواقف تلك القوى العالمية ليتخذ قراره بالنزول إلى الشوارع والساحات والميادين لمقاومة الانقلابيين الخونة، فهو شعب يعرف جديًا ازدواجية معايير أولئك، ولكن المطلوب ممن يصدع رؤوس البشر صباح مساء بمبادئ الديمقراطية والحريات أن يكون عند مستوى ما يقوله وما يدعيه، فقط لا غير.

أما شعبيا، لم يكن الشعب التركي وحيدًا في مواجهة محاولة الانقلاب الفاشلة، بل كان له شركاء في هذه المواجهة التي فرقت بين الحق والباطل، حيث كان الأتراك في الشوارع والميادين يواجهون الآليات العسكرية المدمرة، وكان ملايين من شعوب العالمين العربي والإسلامي، يشاركونهم المقاومة نفسها قلبًا وروحًا.

الملايين من المسلمين حول العالم، لم تمنعهم لا اختلاف اللغات والقوميات والأعراق والألوان والتوجهات، من السهر طوال تلك الليلة التاريخية.. كثيرون منهم تسمروا أمام شاشات التلفزة يتابعون التطورات بحذر وخوف من نجاح الانقلابيون بمخططهم الذي سيحطم أحلام وآمال تلك الملايين.

البعض الآخر اختار أن يصلي لله تعالى مع الدعاء بفشل المحاولة الانقلابية، وكان الأمل بالله سبحانه كبيرًا، ملايين الأيادي رفعت في تلك الليلة تناجي الحي القيوم بأن يحفظ تركيا وشعبها وحكومتها ورئيسها.

وجزء ثالث آثر التجمهر والتجمع في ساحات بعض المدن العربية والإسلامية، رافعًا الصلوات حتى طلوع الفجر وانتشار أخبار فشل الانقلابيين.

لم تكن ردة فعل تلك الملايين على ما حصل في تركيا إلا لأنهم يعلمون علم اليقين أن تركيا الجديدة تمثل لهم بريق أمل في ظل الواقع المأساوي الذي تعيشه كثير من شعوبنا هنا وهناك.

بعد 5 أعوام على تلك المحاولة الانقلابية الفاشلة، نحن اليوم أقوى بكثير مما كنا عليه قبل 5 أعوام.. أقوى بفضل الله تعالى ثم بقوة أهل القرار في تركيا، ثم بدعم الشعب لحكومته عندما يحل الخطب الكبير، ثم بدعاء مئات الملايين من المسلمين حول العالم والذين يرون بتركيا اليوم ـ رغم كل الصعوبات ـ أنها بريق أمل جديد تساهم بإعادة ما افتقده المسلمون من عزة وقوة ووحدة قبل نحو 100 عام.

زر الذهاب إلى الأعلى