تقاريرمميز

هل حقا يكره الأتراك والعرب والأكراد بعضهم البعض؟ (تقرير)

هكذا فرّقت كتب التاريخ المزوّرة شعوب منطقة الشرق الأوسط

عند كل إشكالية تحصل على الأرض بين مجموعتين تنتمي كل منهما لبلد معين أو قومية معينة، خاصة بين الأتراك والعرب والأكراد، تبدأ حملات إعلامية موسعة باللغات الثلاثة التركية والعربية والكردية، وذلك بهدف تأجيج مشاعر الكره بين الشعوب، دون طرح حلول لتلك الإشكالات التي تكون ناتجة عن أسباب مادية معينة، بعيدة عن الأسباب القومية والعرقية.

وتحاول تلك الوسائل الإعلامية إثارة الفتن من خلال تضخيم الأحداث أو نشر أخبار كاذبة غير صحيحة أو تحريف أخبار بما يخدم الجهات المعادية لوحدة الشعوب ولفكرة الأخوة بين أبناء منطقة الشرق الأوسط، حيث يقع البعض بفخ هذه الوسائل بدل تأطير الإشكالات والعمل على حلها بعيدا عن العصبيات.

اقرأ أيضا.. مسؤول تركي يفند أخبارا كاذبة نشرتها قناة سورية

وبناء على أحداث عديدة عاشها أتراك وعرب وأكراد في أماكن مختلفة داخل وخارج تركيا، هل يصح القول اليوم إن “الأتراك يكرهون العرب أو العكس؟ وكذلك بالنسبة للأكراد مع العرب والأتراك”؟

وهنا يجب الإشارة إلى الجمهورية التركية تضم في تعداد سكانها ملايين العرب وملايين الأكراد إلى جانب ملايين الأتراك، يتساوون جميعا أمام القانون بالحقوق والواجبات.

الصحفي والكاتب التركي جلال دمير قال لـ”وكالة أنباء تركيا” إنه “إذا رجعنا إلى التاريخ الحديث فسنجد أن هناك من لوّثه وزوّره وملأه بالمعلومات الخاطئة التي كانت سبباً في تفرقة المجتمعات.. أظن أن هذا هو السبب الرئيس لهذه المعلومات التاريخية المزوّرة وغير الصحيحة”.

وتابع “التاريخ الذي قرأناه ودرسناه في المدارس على مستوى المجتمع التركي وعلى مستوى المجتمع العربي كلّه كان مليئاً بالأخطاء والأحداث التاريخية المزوّرة غير الصحيحة.. لذلك نحن تعلّمنا عن تاريخ بعضنا كعرب وأتراك بشكلٍ خاطئ، والحقيقة كانت مختلفة جدا”.

ولفت دمير إلى أن “هناك العديد من المؤرّخين والباحثين الذين يتحدّثون بشكلٍ إيجابيّ وواقعيّ عن تاريخ المجتمعَين التركي والعربي، ولكن للأسف الغرب أو اليد الخفية أو العقل الذي يريد أن يفرّق بين المجتمعات الإسلامية ويظهر الفوضى بين الدول غيّر الحقائق التاريخية، فالدول الحاكمة والمسيطرة وقتها اتبعت سياسة كتابة التاريخ وفق مصالحها، لذلك أظن أننا تعلمنا أن نخوّن بعضنا البعض”.

وقال دمير “كان مكتوباً في كتب التاريخ الدراسية التي تدرّس في مراحل الإعدادية والبكالوريا والجامعات، أن العرب خانوا الأتراك والعثمانيين حتى في الحرب العالمية الأولى، وهذه المعلومات مغلوطة تمّت إزالتها من كتبنا في السنوات الماضية.. ولاحقاً بعدما كبرنا درسنا كتب تاريخ واقعية، فظهر أنه لا يوجد شيء كهذا وأنها كذبة تاريخية مدروسة ومقصودة أصلاً”.

وأوضح “هكذا تعلّمنا التاريخ من كتب التاريخ التي تدخل ضمن التخطيط لتفرقة الشعوب، والهدف الأساسي منها أن تبتعد المجتمعات عن بعضها البعض، الكرد عن الترك، العرب عن الترك، العرب عن الكرد.. كانت هذه السياسة الأوروبية وسياسة الغرب، وللأسف يمكننا القول إن الغرب نجح في سياسته هذه”.

وتوسعّ دمير قائلاً “نعم في الشارع أو المجتمع أو بعض الكتب التاريخية نرى أنه دائما هناك عداوة أو محاولة إنشاء عداوة بين المجتمعات في الشرق الأوسط، بين تركي وعربي وكردي”.

وبحسب دمير فإن “معظم الشعب التركي انتبه وتعلّم واطلع على هذه الحقيقة ويعرف أن هذه المعلومات هي مجرد محاولة لإنشاء فتنةٍ بين المجتمع التركيّ والمجتمع العربيّ لا غير، ولكنّ الحقيقة غير ذلك”.

لكنه استدرك بالقول “أظن أن الشيء نفسه بالنسبة للعرب، حتى الآن أنا أسمع الكثير من أصدقائي العرب يقولون إن الدولة العثمانية استعمرتهم واحتلّت بلادهم لسنوات. الذهنية الخفية التي وضعت هذه المواد في كتب التاريخ وحاولت أن يتعلم الجيل الجديد هذه المعلومات وتتولّد لديه الكراهية ضد العرب”.

وأكد أنه “إذا رجعنا إلى أرشيف التاريخ الحقيقي فسنرى أن العلاقة بين الشعبين العربيّ والتركيّ قديمةٌ جداً وقوية، وكانت علاقةً حضارية”.

وفي هذا الإطار ختم دمير قائلا “نستطيع أن نقول إن الترك والعرب استفادوا من بعضهم البعض، حتى إن المجتمع التركي قدّم دعماً ثقافياً فكرياً للمجتمعات العربية في التاريخ الإسلامي، وأيضاً المجتمع التركي استفاد من الحضارة والثقافة الإسلامية والعربية.. الشعبان تبادلا الفائدة وبشكل كبير جداً”.

من جانبه، تحدث رئيس جمعية الصداقة اللبنانية التركية الدكتور وسيم بكراكي لـ”وكالة أنباء تركيا، حيث شدد أن “العلاقة بين الأتراك والعرب هي علاقة تاريخية تمتد إلى ما يزيد عن 500 عام، من علاقة الدولة الواحدة والوطن الواحد”.

وتابع “ولكن بعد قيام الجمهورية التركية، بل ومنذ نهاية العهد العثماني إذا ما تحدثنا عن جمعية الاتحاد والترقّي وما يقابلها من تجمّعات عربية آنذاك، ظهر نوعٌ من التمييز بناءً للعرق، فأصبح كل طرف من هؤلاء يتغنى بما ينتسب إليه من عرق”.

وأضاف “الاتحاد والترقّي نادت بالوطنية التركية، والجمعيات العربية نادت بتميز العربي”.

وقال بكراكي “هذا الأمر استمرّ طبعاً، ولكن من ينادي بمثل هذه الأمور فعلياً ليسوا جموع الشعب التركي اليوم، بل إن أكثر من نصف الشعب التركي ما زال يعتبر العرب والترك والكرد والبوشناق.. الخ، أمة واحدة بِدين واحد وتاريخ واحد، بل وحتى الكثير من العلمانيين لا يتحدثون بهذه اللهجة العنصرية”.

وأردف “إذا أردنا التعمّق أكثر، فإن ما يستخدم اليوم ضد التجمعات السورية مثلا، هو بدافع سياسي أكثر من أن يكون موضوع كره السوري نفسه أو أكثر من موضوع عنصري”.

وأوضح أن “الشعب التركي مثلاً يحب الفلسطيني، ويتغنّى بجمال وتميّز الشعب اللبناني، إذن المشكلة ليست مشكلة قومية عربية تركية مع هؤلاء، بل هي ورقة ضغط تستخدمها أحزاب المعارضة للنيل من الحزب الحاكم تحت شعار أن السوريين ـ واليوم الحديث عن الأفغان كمهاجرين جدد ـ هم سبب تأثر اقتصاد تركيا، وهم الذين يثيرون المشاكل ويرهقون الدولة صحيا وتعليمياً ومعيشياً”.

وقال بكراكي “للأسف ما يزيد الطين بلّة كما يقول المثل، هو وجود عناصر تخريبية ضمن المجتمع السوري المقيم في تركيا ممن لديه وظيفة محددة هي إثارة مثل هذه المشاكل التي نسمع بها تارة وأخرى”.

وأكد “لا نقول إن السوري هو دائما سبب الأحداث بل نقول إن بينهم من يعمل لصالح أهداف معينة ودول معينة يستغلون أي حادثة لإثارة النعرات والاحقاد”.

وشدد على أن “الشعب التركي شعب طيب بمجمله وهو يقدم كل ما يستطيع من مساعدة لأي أجنبي دون تمييز.. المحبة قائمة والأخوّة هي الأساس”.

ولفت إلى أن “ما نشاهده أحيانا ويضخَّم إعلامياً هو فقط لخدمة فريقٍ سياسيّ ضدّ الآخر”.

وأكد بكراكي أن “المطلوب منّا كعرب أن نعيَ هذه الأمور وأن نسعى أولاً لتعلم اللغة التركية بطلاقة فمن يتكلم لغة البلد يستطيع أن يروي الحقائق وأن يدافع عن نفسه.. من أكبر المشاكل بل من المعيب أن يبقى أحدنا مدة 10 أعوام دون أن ينطق اللغة التركية.. لذلك فإن تعلم اللغة سيكسر أكبر حاجز موجود عند بعض فئات المجتمع التركي اليوم”.

وتحدث بكراكي عن أن “التزام المؤسسات السورية مثلا بدفع الضرائب سيضع الحقائق أمام أعين كل من يتحدث بالسوء.. فمن يدفع ضريبته ويلتزم بقوانين البلد ويعمل بعرق جبينه لن يكون هناك أي أحد يمكن أن يصيبه بأي كلمة سوء.. والأساس في الأمر أخوة ومحبة الشعبين وهو القائم صراحة”.

واستدرك “أما ما نراه من أحداث بين فينة وأخرى فهو مجرد ذباب تماما كالذباب الإلكتروني، ولكنه لم ولن ينجح في إبعاد شعبين هما في الأصل شعبٌ واحد ودين واحد وتاريخ واحد”.

وكان نائب رئيس كتلة حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي بولنت توران قد كشف ، الجمعة 21 آب/أغسطس 2021 “صلة أحزاب المعارضة التركية بالاعتداءات التي طالت عدداً من اللاجئين” المقيمين في تركيا، مؤكدًا أن تلك الأحزاب “انتهجت سياسة تعسفية في هذه القضية”.

جاء ذلك في تصريحات أدلى بها توران خلال زيارته ولاية إدرنه شمال غربي تركيا، حيث قال إن “موضوع الهجرة قد تمّ بدوافع سياسية مختلفة جدًا مؤخرًا”.

وكشف توران أن “تركيا استقبلت خلال العام الماضي 2020 وحده، 500 ألف مهاجر”، مؤكداً أنه “من غير الصواب اعتبار ذلك قضية وطنية وخطوة من شأنها أن تعكّر صفو سلام تركيا”.

وحول دور الأحزاب التركية المعارضة في تأجيج مشاعر الكراهية تجاه اللاجئين، لفت توران إلى أن “أحزاب المعارضة التركية تحاول تسييس قضية الهجرة في تركيا لتحقيق مصالح خاصة بها”.

وأردف قائلا “لا نتوقع أن تكون المعارضة إلى جانبنا في قضية مثل الهجرة قد تكون مشكلة للعالم كله، لكنهم يحاولون وضع سياسة جديدة عبر الاتهامات التي يكيلونها”.

وكان أردوغان قد توعّد مفتعلي الأحداث العنصرية في العاصمة أنقرة منتصف الشهر الجاري بالقول “لن نتسامح أبداً مع الذين يستهدفون حياة طالبي اللجوء وممتلكاتهم ويهدّدون السلامة العامة”.

كلام أردوغان جاء يوم الخميس 19 آب/أغسطس 2021 خلال مؤتمر صحفي عقده عقب ترؤّسه اجتماعاً للحكومة التركية، في العاصمة التركية أنقرة.

وتتوعّد أحزاب المعارضة التركية وعلى رأسها حزب الشعب الجمهوري بشكل مستمر اللاجئين بعدة إجراءات ضدهم مثل إخراجهم من تركيا، حيث دأبت على استخدام ورقة اللاجئين في جميع الانتخابات السابقة.

اقرأ أيضا.. تقرير أممي: للعام السابع على التوالي تركيا الأولى عالميا باستضافة اللاجئين

زر الذهاب إلى الأعلى