
أكدت خطبة الجمعة، في عموم مساجد تركيا، اليوم، على أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ما بُعث إلا رحمةً للعالمين، مشددةً على الدور المركزي للنبي الكريم في إرساء قيم المحبة، والرحمة، والتواضع، والعدالة في المجتمع الإنساني.
وأشارت الخطبة إلى أن مولد النبي الشريف ليس مجرد ذكرى دينية، بل مناسبة روحانية عظيمة تتجدد فيها نَسائم الرحمة وتتجدد معها الهمة في اقتفاء سيرته العطرة.
ولفتت إلى أن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم كان منارة للإنسانية في ظلمات الجهل والظلم، حيث جدد الخطبة صفات النبي العظيمة في تعامله مع الأسرة، والنساء، والأطفال، والشباب، وكبار السن، واليتامى، مُبرهنةً كيف حوّل المجتمع من واقع القسوة إلى مجتمع المودة والرحمة.
وبيّنت أن حب الأمة العظيم لنبيها، من خلال التسمية بأسمائه، وتقدير جنده، وذكريات النضال دفاعاً عن الوطن والمقدسات، مُشددةً على أن محبة النبي صلى الله عليه وسلم لا تُكتمل إلا بالاقتداء به، ووحدة الصف، وتحقيق الأخوة الإيمانية.
ودعت الخطبة المسلمين إلى التمسك بوصية النبي الكريم: “كونوا عباد الله إخوانا”، ونبذ الحسد والتباغض، لتكون الأمة قوية موحدة، على درب الرحمة التي بعث بها خاتم الأنبياء.
نص الخطبة كاملة:
هنيئا لنا جميعا، لقد بلغنا من جديد الأجواء الروحانية لمولد النبي الشريف، ففي ليلة الأربعاء القادمة، ليلة الثاني عشر من شهر ربيع الأول، نحتفل بذكرى مرور ألف وخمسمائة عام على ولادة سيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي أرسله الله رحمة للعالمين.
نحمد الله تعالى ونثني عليه الذي شرفنا بأن نكون من أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ونسأل الله أن يصلي ويسلم على نبينا الكريم، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار. نسأل الله أن يبارك لنا في ليلة المولد الشريف.
أعبر عن مشاعري بأبيات الشاعر التي يقول فيها:
تعال، يا محمد، فهذا ربيعنا، لدينا “آمين” مخبوءة خلف الشفاه، تعال كما يعود الحاج من حجه، وانزل كما ينزل من معراجه، لقد انتظرناك سنين طويلة.
لقد عرفت الإنسانية الرحمة مع رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
لقد ولد نبي الرحمة في زمن طغت فيه الظلم والظلمات، فكان طلوعه كالشمس التي أضاءت العالم.
قال الله تعالى “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”، فجاء صلى الله عليه وسلم بالحب والشفقة والرحمة، بدل البغضاء والكراهية والعداوة، ولما ارتجف أحدهم وهو يخاطبه، قال له: “اطمئن، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد.” ليعلم البشرية التواضع.
لقد وجدت الأسرة سكينتها مع رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم. فقد بناها بأمر الله على المحبة والرحمة، والألفة والمودة، والثقة والوفاء.
لم يكن فظا مع أحد من أهل بيته، ولم ينطق بسوء، ولم يؤذ أحدا منهم قط.
وقال “ألا فاستوصوا بالنساء خيرا، فإن لكم عليهن حقا، ولهن عليكم حق”، فأنصف المرأة بعد أن كانت مهانة محرومة من حقوقها.
لقد ذاق الأطفال معنى المحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو الذي حمى البنات اللواتي كان ينظر إليهن باحتقار، ويوءدن أحياء، فرباهن وأكرمهن وبشر من أحسن تربيتهن بالجنة .
وقد وجد الشباب قيمتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان دائم الثقة بهم، يصغي لآرائهم، ويغرس فيهم الثقة بالنفس، ويكلفهم بمسؤوليات تتناسب مع ميولهم وقدراتهم.
نال الشيوخ التقدير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال “ﻣﺎ ﺃﻛﺮﻡ ﺷﺎﺏ ﺷﻴﺨﺎ ﻟﺴﻨﻪ ﺇﻻ ﻗﻴﺾ ﺍﻟﻠﻪ ﻟﻪ ﻣﻦ ﻳﻜﺮﻣﻪ ﻋﻨﺪ ﺳﻨﻪ”، فحث على رعاية كبار السن والاهتمام بهم.
وابتهج وجه اليتيم والمظلوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقد قال مشيرا بسبابته والوسطى “أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا”، فبشر من يكفل اليتيم ويصون حقه أن يكون بجواره في الجنة.
لقد أظهر شعبنا المسلم حبه العظيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بتسمية أبنائه وبناته بأسماء النبي وأهل بيته الأطهار، وبإطلاق لقب “محمدجك” على جنده، واعتبار جيشه مهد النبي، وبذل المال والنفس في سبيله.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين”.
لقد أحب أسلافنا الأبرار رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من أنفسهم، وجاهدوا لإيصال رسالته الرحيمة إلى العالمين، وبذلوا أرواحهم لتحقيق الأمن والسلام.
وآخر شواهد ذلك هو النصر الذي سنحتفل بذكراه في 30 آب/أغسطس.
نسأل الله أن يرحم شهداءنا الأبرار الذين ارتقوا حبا لرسول الله، ودفاعا عن الوطن والمقدسات، وأن يجزي خيرا من قضى من مجاهدينا الأبطال.
وما علينا اليوم إلا أن نوحد قلوبنا بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن نلتقي بقلوب مؤمنة في نسائم رحمته، وأن نصبح إخوة بندائه للوحدة والأخوة.
واختتمت الخطبة بوصية النبي صلى الله عليه وسلم “لا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا”.



