تقارير

في واشنطن.. تركيا تشارك في دعم “سوريا الجديدة” فماذا يمكنها أن تقرم (تقرير)

في مشهدٍ سياسيّ غير مسبوق منذ عقود، احتضن البيت الأبيض في واشنطن لقاءً وصف بالتاريخي، جمع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالرئيس السوري أحمد الشرع، في أول زيارة لرئيس سوري إلى العاصمة الأمريكية منذ عقودٍ طويلة.

الزيارة التي اتسمت بالسرّية غير المألوفة، كما نقلت صحيفة ذا هيل الأميركية، مثّلت منعطفاً حقيقياً في مسار العلاقات السورية – الأمريكية، وأشّرت إلى تحوّلٍ استراتيجي في الموقف الدولي من “سوريا الجديدة”، التي بدأت تتشكل ملامحها بعد سقوط النظام السابق.

لكنّ اللافت في المشهد لم يكن اللقاء بحد ذاته، بل تزامن وجود الرئيس الشرع في واشنطن مع وصول وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى العاصمة الأمريكية واشنطن، في خطوةٍ فُسّرت على نطاقٍ واسع بأنها تأكيد على الدور التركي الحيوي في المرحلة المقبلة من إعادة بناء سوريا سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

ملفات ثقيلة على الطاولة

تركّزت المحادثات في البيت الأبيض، وفق ما تسرب من مصادر إعلامية، على بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية، ومناقشة رفع العقوبات المفروضة على سوريا، وفي مقدمتها قانون “قيصر”، إضافة إلى التعاون في مكافحة الإرهاب، وملف الصحفيين الأميركيين المفقودين داخل الأراضي السورية.

وقد أشاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال مؤتمر صحفي بالرئيس الشرع، واصفاً إياه بأنه “قائد قوي أتى من مكان صعب، وشاب صلب يعجبني”، مؤكداً “الانسجام الشخصي والسياسي” بينهما، ورغبتهما المشتركة في “إنجاح سوريا الجديدة”.

من جهته، لعب ترامب دوراً مهماً في دعم الرغبة المعلنة للرئيس السوري، والمتمثلة في تحويل سوريا إلى دولةٍ صديقة للولايات المتحدة بعد عقودٍ من الحرب والإرهاب والفساد والاتجار بالمخدرات التي ميزت عهد النظام المخلوع.

تركيا.. الشريك الإقليمي في هندسة الاستقرار

وفي موازاة لقاء الشرع – ترامب، أعلن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أنه التقى الرئيس السوري في واشنطن، وشارك جزءاً من اجتماعه مع المسؤولين الأميركيين، حيث نقل الموقف التركي الداعم لوحدة الأراضي السورية واستقرارها.

وأكد فيدان أن “زيارة واشنطن جاءت بدعوة مسبقة من الجانب الأمريكي، وتزامنت مع وجود الرئيس السوري في البيت الأبيض”، مشيراً إلى أنه عقد سلسلة لقاءات مع مسؤولين أميركيين حول الملفات المشتركة في شمالي وجنوبي سوريا.

وشدّد فيدان على أن “وحدة سوريا واستقرارها يشكّلان ضمانة لأمن المنطقة بأسرها”، ما يعكس تمسك أنقرة بسياسة التوازن في تعاملها مع مختلف الأطراف، ورغبتها في أن تكون شريكاً محورياً في إعادة صياغة مستقبل الجار الجنوبي.

البعد التركي في المشهد السوري الجديد

الباحث السياسي رشيد حوراني يرى أن “حضور فيدان الاجتماع الذي جرى بين الرئيس الأمريكي ترامب والسوري أحمد الشرع يدل على الدور الكبير الذي لعبته تركيا سابقاً في دعم الثورة السورية، ولا تزال تقوم به في إطار بناء الدولة بعد سقوط النظام البائد”.
وأضاف حوراني في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن “تركيا مستمرة في دعمها، سواء من خلال تدريب طلاب الضباط في أكاديمياتها العسكرية، أو عبر علاقاتها الدولية المؤثرة”، مشيراً إلى أن “الملف الاقتصادي كان حاضراً بقوة، لما له من أهمية في تهيئة البيئة المناسبة لعودة اللاجئين السوريين، خاصة في ظل ضعف مؤشرات العودة بسبب الدمار وتعثر إعادة الإعمار”.

وتابع قائلاً “كما أن ملف الإرهاب كان حاضراً أيضاً، لعدم تقديم قوات قسد أي تنازل للاندماج مع الدولة السورية، وهو ما يشكّل تهديداً للأمن القومي التركي، إضافة إلى استمرار خطر داعش”.
وختم بالقول “من الجيد أن تكون تركيا حاضرة في مثل هذا الاجتماع، نظراً لعلاقاتها الجيدة مع ترامب، وخبرتها الطويلة في الواقع السوري، فضلاً عن سياستها القائمة على التوازن بخلاف التشدد الذي يميز روسيا وإيران”.

تركيا.. البوابة الإقليمية لإنجاح التحول السوري

أما المحلل السياسي مالك عبيد فاعتبر أن “زيارة الرئيس الشرع للولايات المتحدة حدث مهم بعد قطيعة امتدت لعقود، وهي نتيجة طبيعية للتغيير السياسي الذي جرى في سوريا ونجاح الثورة”.
وأوضح عبيد في حديثه لـ “وكالة أنباء تركيا”، أن “الحكومة السورية المؤقتة بدأت بفتح صفحة جديدة مع العالم لتحقيق المصالح السورية ورفع العقوبات عنها، وتزامن زيارة الشرع مع توجه وزير الخارجية التركي إلى واشنطن يعكس الدور التركي باعتبارها إحدى البوابات الرئيسية لنجاح السياسة الخارجية السورية وعرّابها”.

وأضاف “تركيا تمتلك دوراً كبيراً في الملف السوري من خلال مصالحها المشتركة مع دمشق في محاربة الإرهاب المتمثل بالأحزاب الكردية المسلحة وتنظيم (داعش) الإرهابي، كما سيكون لها دور محوري في دعم جهود إعادة الإعمار، نظراً لكون سوريا ممراً اقتصادياً مهماً لتركيا نحو الخليج”.

وأشار عبيد إلى أن “الزيارة التركية جاءت أيضاً لترتيب الملفات الأمنية في الشمال السوري والشمال الشرقي، حيث تنتشر الأحزاب الكردية التي تشكّل تهديداً مباشراً للأمن القومي التركي”، متوقعاً “أن تسفر هذه اللقاءات عن تفاهمات واتفاقيات تمهّد لإنهاء حالة الصراع، والتوجّه نحو سلامٍ دائم يحفظ حقوق الجميع ويعزز استقرار المنطقة”.

أنقرة ودمشق… من خطوط النار إلى خطوط التنسيق

في ضوء هذه التطورات، يبدو أن تركيا تضع نفسها في قلب التحول السوري الجديد، ليس فقط كجارٍ إقليميّ مؤثر، بل كشريكٍ أساسي في ضمان توازن الأمن والسياسة وإعادة الإعمار.
فوجودها إلى جانب “سوريا الجديدة” في هذه المرحلة الحساسة، لا يعكس فقط تقاطع المصالح، بل يؤسس لشراكةٍ ضرورية تتيح لدمشق الانفتاح مجدداً على العالم، وتمنح أنقرة دوراً محورياً في صياغة مستقبلٍ إقليميّ أكثر استقراراً واتزاناً.

زر الذهاب إلى الأعلى