
خطبة الجمعة في تركيا.. “الإيثار” منهج نبوي لتطهير القلوب وتماسك الأمة
ركّزت خطبة الجمعة في عموم مساجد تركيا، اليوم، على قيمة الإيثار باعتبارها “قمة التضحية” وأساساً لبناء مجتمع إسلامي متماسك، داعياً المصلّين إلى جعلها سلوكاً يومياً يتجاوز حدود العبادة إلى معاملات الناس وتفاعلهم مع بعضهم البعض.
وشدّد الخطيب على أن الإيمان الحقيقي لا يتمّ إلا بإيثار الآخرين، مستنداً إلى آيات قرآنية وأحاديث نبوية، مستعرضاً نماذج من سيرة النبي الكريم والصحابة كأمثلة حيّة للتضحية في سبيل الله والوطن والإنسانية.
كما نبّه الخطيب إلى تناقضات في السلوك المجتمعي اليوم، كإهمال حقوق ذوي الحاجات الخاصة أو التضييق على المرضى والمسنين، مطالباً بإحياء روح الإيثار، داعياً إلى التعاون على البر والتقوى في جميع مناحي الحياة.
الخطبة:
أحد الأهداف الأساسية لديننا النبيل، الإسلام، هو بناء مجتمع يتألف من أناس فاضلين يحبون بعضهم بعضا، ويساعدون بعضهم بعضا، ويتنافسون في فعل الخير في سبيل الله.
وقد أرشدنا الإسلام أيضا إلى الطريق لتحقيق ذلك. هذا الطريق يقوم على الحب والأخوة؛ إنه شعور التضحية بالنفس الذي يطهر الفرد من الصفات السيئة مثل الأنانية والبخل والحسد.
الإيثار: هو أن نسعى لتلبية احتياجات الناس قدر استطاعتنا لا نرجو بذلك إلا رضوان الله تعالى، هو أن نفكر بالآخرين كما نفكر بأنفسنا بل وأكثر من ذلك.
الإيثار: هو أن نرضي قلوب والدينا وزوجاتنا وأولادنا بالشفقة والرحمة والصبر. هو أن نيسر الحياة لإخواننا من ذوي الإعاقة؛ فنكون لفاقد البصر بصرا، ولمن لا يستطيع الكلام لسانا، ولمن لا يسمع سمعا، ولمن لا يقدر على المشي قدمين، ولمن لا يستطيع الإمساك يدا.
الإيثار: هو أن نتخلى أحيانا عن مالنا، وأحيانا عن راحتنا، من أجل أن يصل مجتمعنا بل الإنسانية كلها إلى الخير والفضيلة. وهو أن نكون إلى جانب جيراننا القريبين أحيانا، وأقاربنا أحيانا أخرى، وأحيانا إلى جانب إخواننا المظلومين في غزة، فلا نبخل عليهم بدعمنا المادي والمعنوي، وحين يتطلب الأمر، فهو التضحية بأرواحنا في سبيل الدين والوطن والمقدسات.
لقد تعلمنا أروع نماذج التضحية من رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ، فقد صبروا على كل ما أصابهم من الشدائد وبذلوا جهدهم ليأنس الناس بالإسلام، وكانوا دائما يدعون الله تعالى لهم بالهدى والخير.
وقد كانوا المثال الحي لقوله تعالى “ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا. إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا”.
يقول نبينا الحبيب في حديث شريف “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”، وعلى الرغم من هذا التوجيه النبوي العظيم، فإننا اليوم نشهد كثيرا من السلوكيات التي تبدو بسيطة، ولكن يمكن إصلاحها بأخلاق الإيثار.
فما أعجب أن نرى في زماننا أناسا يتسابقون في إكرام بعضهم بعضا في موضع، بينما في موضع آخر لا يفسح أحدهم الطريق لغيره في المرور، بل قد يتجادلون من أجل ذلك، ويعيقون مرور سيارات الإسعاف والإطفاء، وينتهكون المسارات المخصصة للطوارئ، ويحتلون مواقف السيارات المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة.
يا له من مشهد يدعو إلى العجب والعبرة! وكم هو مؤسف أن نرى من يمشي في بيته على أطراف قدميه، ويتحدث همسا حتى لا يوقظ أولاده أو يزعج مريضه، لكنه في الوقت نفسه يرفع صوت التلفاز أو الموسيقى إلى أقصى درجة فيؤذي جيرانه والمرضى من حوله.
وما أشد الألم حين نرى من يدقق أشد التدقيق عند شراء شيء لنفسه أو جلب طعام صحي لأهله، ثم إذا باع سلعة أخفى عيبها، وغير تاريخ انتهاء صلاحيتها، وضاعت منه حساسية الحلال والحرام.
وما أشد الحزن حين يقدم بعض الناس راحتهم في وسائل النقل العامة على حساب المرضى والحوامل وكبار السن، فيزاحمونهم في المقاعد ويهملون حقوقهم.
إن من لوازم خلق الإيثار أن نستجيب للنداء الإلهي “وتعاونوا على البر والتقوى”، فنسارع إلى نجدة كل محتاج أينما كان، ونجعل الحياة أكثر قابلية للعيش لبعضنا بعضا.
وأن ندخل السكينة والسعادة إلى كل قلب، فيكون لنا في دعاء كل يتيم وفي ابتسامة كل غريب نصيبا مباركا.
وأختم خطبتنا بحديث النبي الكريم “الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه”.





