
تعود قضية ما يُسمّى بـ”الديانة الإبراهيمية” إلى الواجهة مجددًا، بوصفها أحد أكثر المشاريع إثارة للجدل في العالمين العربي والإسلامي، نظراً لما تحمله من انعكاسات مباشرة على مفهوم العقيدة وحرية العبادة والهوية الدينية.
فالمقترح الذي يقدّمه أصحاب هذا التوجّه يقوم – في جوهره – على فكرة دمج الديانات السماوية الثلاث تحت مظلة واحدة، وتقديم نموذج جديد من “وحدة الأديان” بوصفه طريقًا للسلام العالمي.
لكن خلف هذا الخطاب الودي، وفق مواقف علماء الدين والباحثين، تكمن إشكالات عقدية وتاريخية وسياسية تُحوّل المشروع إلى ما يشبه إعادة تشكيل الدين نفسه، وتحويله إلى أداة تخدم سياسات دولية وثقافية أوسع.
منذ طرح الفكرة، اعتبر معارضوها أنها تمثل أكبر انتهاك لحرية العبادة، وتدنيسًا للثوابت المشتركة بين الأديان. ويرى هؤلاء أن “الديانة الإبراهيمية المزعومة” ليست سوى نسخة حديثة من محاولات تاريخية سابقة سعت إلى دمج العقائد والطقوس بشكل قسري، على غرار ما قام به جلال الدين أكبر، ملك الهند في القرن السادس عشر، حين دعا إلى توحيد الديانات السماوية مع عبادة النار والأوثان تحت دين واحد اخترعه بنفسه.
وانتهى الأمر حينها، كما يصفه الرافضون، بعبرة تاريخية بعد أن “انتقم الله منه بمرض لم يعرفه البشر حتى هلك بطغيانه”، وفق ما تتناقله بعض الروايات التي تُقدّم كمثال على عاقبة العبث بالمعتقدات ومحاولة صناعة دين جامع خارج إطار النبوات.
ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى أنّ الديانة الإبراهيمية المطروحة اليوم ليست إلا امتدادًا لمثل تلك المحاولات، تحمل في ظاهرها خطاب التسامح والسلام، لكنها في باطنها “نزغات شيطان لعين” وأضغاث أحلام تُقوّض فكرة التوحيد وتسيء إلى جميع الأديان، على حدّ وصفهم. وينظر هؤلاء إلى أن هذه المشاريع تتلبّس بالسلام لتُخفي غايات سياسية وثقافية أوسع، فيما تُستخدم لغة التعايش لتبرير اختزال جوهر الإيمان وإلغاء الفوارق العقدية.
موقف الإسلام: التوحيد هو الأساس
على مستوى الموقف الديني، تبدو الرؤية الإسلامية تجاه هذا الطرح واضحة وحاسمة. ففكرة جمع الأديان في كيان واحد، أو ما يعرف بـ”وحدة الأديان”، تخالف أصل التوحيد الذي يقوم عليه الإسلام، وتُساوي – وفق علماء الشريعة – بين الحق والباطل، وهو أمر مرفوض شرعًا بوضوح. ويؤكد علماء كُثر أن التوحيد هو أساس الدين، ولا يقبل المساواة بين العقيدة الإسلامية وغيرها من العقائد، إذ لا يمكن وضع الإسلام ضمن منظومة عامة أو دمجه في صيغة دينية هجينة لا جذور لها في النصوص الشرعية.
ويشدّد عدد من العلماء على أن المشروع لا يمتّ بصلة لما جاء به النبي إبراهيم عليه السلام، بل يمثل انحرافًا جوهريًا عن الرسالة الإبراهيمية القائمة على التوحيد الخالص. وقد حذّر الشيخ صالح – ضمن إطار المواقف الرافضة – من خطورة “الإبراهيمية” على العقيدة الإسلامية، لأنها تُذيب الحدود بين الأديان وتُحوّل الإسلام إلى مجرد عنصر ضمن خليط ديني هلامي غير محدد.
كما يرى أن المشروع في جوهره “سياسي وثقافي”، يستهدف العقيدة الصحيحة لصالح تصورات حديثة تُعيد ترتيب الدين بما يتناسب مع مشاريع النظام الدولي ومراكز القوى.
مشروع وديّ في الظاهر.. أيديولوجي في الجوهر
ورغم أن دعاة هذا المشروع يقدّمونه بلغة التعايش والسلام، فإن معارضي الفكرة يؤكدون أنها مشروع أيديولوجي يعيد تعريف الدين، لا مشروعًا لحلّ النزاعات أو تعزيز التفاهم بين البشر.
فالدعوة التي تبدو وديعة ومسالمة، وتطرح مظلة مشتركة لأتباع الديانات الثلاث، تخفي – وفق وجهات النظر الرافضة – محاولة لبناء دين جديد يلتقط من كل عقيدة ما يناسبه، ثم يعيد صهرها في قالب واحد يخدم أهدافًا سياسية على رأسها إعادة صياغة الهوية الروحية للشعوب، وربط القيم الدينية بنظام سياسي عالمي متداخل.
ويشير المراقبون إلى أن جوهر الدين، وفق المفهوم الإسلامي، يقوم على التسليم والاتباع؛ فإذا فُقد هذا الركن الأساسي فإن النتيجة ليست دينًا، بل “ظلال وابتداع”. وبالتالي، فإن أي دعوة لابتكار دين مشترك تجمع مختلف العقائد تعتبر خروجًا عن منطق الإيمان نفسه، وتستبدل الوحي الإلهي بتصورات بشرية.
البعد السياسي: إعادة هندسة الهوية
في السياق ذاته، تُطرح “الديانة الإبراهيمية” باعتبارها امتدادًا لمشاريع سياسية غربية تسعى إلى إعادة ترتيب المنطقة دينيًا وثقافيًا. ويربط كثير من المعارضين بين هذا المشروع وما سمّاه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بـ”اتفاقيات أبراهام”، التي رافقت مسار التطبيع بين عدد من الدول العربية وإسرائيل. وبالنسبة إليهم، فإن الربط ليس عفويًا ولا لغويًا، بل يعكس توجّهًا لتكريس إطار ثقافي جديد يُعيد صياغة هوية المنطقة بما يخدم أولويات سياسية أكبر.
ويرى هؤلاء أن من أبرز الممارسات التي يسعى الغرب من خلالها إلى تغيير الهوية الثقافية لمجتمعات المنطقة، هو الترويج لمثل هذه المشاريع الدينية الجديدة، التي لا تستند إلى الشرائع السماوية، بل إلى رؤية سياسية تتخفى وراء شعار السلام. ويؤكدون أن هذه الطروحات ليست مجرد نقاشات لاهوتية، بل أدوات تأثير ثقافي تسعى إلى إعادة تشكيل وعي المجتمعات، وتغيير حدود العقيدة لتصبح أكثر قابلية للاندماج مع الرؤية الغربية للعالم.
حرية العبادة… بين الدفاع والتهديد
المنتقدون لمشروع “الإبراهيمية” يرون أنه يُقوّض حرية العبادة بدلاً من أن يعززها، فهو يفرض تصورًا دينيًا فوقيًا على أتباع الديانات الثلاث، ويُلزمهم بنموذج جديد لا يستند إلى إرادتهم أو نصوصهم المقدسة.
ويعتبر هؤلاء أن هذا النوع من الدعوات يمثّل تدنيسًا للأديان، لأنها تحاول هندسة الإيمان على هيئة واحدة، وتُشبه – في حدتها – الديانات المفروضة من الأنظمة عبر التاريخ، كدين جلال الدين أكبر في الهند الذي مثّل تجربة فاشلة في دمج العقائد.
وتحضر في هذا السياق كلمات الداعين إلى حماية الثوابت، الذين يوجهون التحية إلى المؤسسات الدينية التقليدية مثل الأزهر الشريف، باعتبارها إحدى الجهات التي تقف بوضوح ضد هذه المشاريع وتحافظ على ثوابت العقيدة.
في المحصلة، تبدو “الديانة الإبراهيمية” مشروعًا محاطًا بكثير من الجدل، يجمع بين الأبعاد الدينية والسياسية والثقافية.
وبينما يروّج لها البعض كمسار للسلام العالمي، ينظر إليها آخرون كتهديد مباشر للتوحيد، واعتداء على حرية العبادة، وإعادة صياغة هوية الأديان بما يخدم مصالح قوى دولية.
وبين هذين الموقفين، يستمر الجدل حول جوهر المشروع وحدوده، في وقت تتزايد فيه الدعوات للحفاظ على الثوابت العقدية في مواجهة أي مشاريع تُعيد تعريف الدين خارج أطره الأصلية.







