تقاريرهام

الاحتلال الإسرائيلي يختار تركيا هدفا لرواية مالية كاذبة.. ما الهدف؟ (تقرير)

أثارت تصريحات أطلقتها قيادة جيش الاحتلال الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (الشاباك)، موجة من التساؤلات والاعتراضات، إذ زعم الاحتلال الإسرائيلي “الكشف” عن شبكة صرافة سرية تابعة لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، تنشط في قلب تركيا، وبـ”إشراف مباشر من إيران”، تُستخدم، حسب الادعاء، لتحويل “مئات ملايين الدولارات” إلى قيادات الحركة.

لكن التدقيق في التفاصيل المقدّمة يُظهر أن البيان الإسرائيلي لا يقدّم أي دليل ملموس، لا قانونيًا ولا ماليًّا، بل يعتمد على وثائق مجهولة المصدر، وأرقام غير قابلة للتحقق، وأسماء مُعلَنة بأسلوب استخباراتي درامي، في ظلّ غياب تام لأي تأكيد من السلطات التركية أو الدولية.

“كشف” إسرائيلي كاذب بلا توثيق

بحسب البيان الإسرائيلي، فإن “صرّافين غزيّين” يقيمون في تركيا، يديرون “نشاطًا اقتصاديًّا واسع النطاق” لـ”استلام الأموال الإيرانية وتخزينها ونقلها لحماس”، وبـ”تعاون كامل مع النظام الإيراني”.

وذهب البيان إلى اتهام أحد الصرافيين بأنه “مسؤول رفيع في وزارة المالية التابعة لحماس” و”يعمل مباشرة تحت قيادة خليل الحية”.

غير أن البيان لم يرفق سوى “وثيقة واحدة”، لم تُنشر تفاصيلها الكاملة، يدّعي أنها تُوثّق “جزئية صغيرة من عمليات تحويل الأموال”، بـ”مبالغ تصل إلى مئات آلاف الدولارات”، دون تحديد العملة، أو الجهة المرسلة، أو طريقة التحويل، أو حتى اسم البنك أو شركة الصرافة المعنية.

والأهم: لا وجود لأي تصريح من الشرطة التركية، أو مكتب المدعي العام في أنقرة، أو البنك المركزي التركي، يؤكّد فتح تحقيق مع أي من الأشخاص المذكورين.

كما أن وزارة الخارجية التركية لم تعلّق على الادعاءات، ما يطرح علامات استفهام حول مصداقيتها.

تكرار نمطي: اتهامات بلا عنوان قانوني

لم تكن هذه المرة الأولى التي يُطلِق فيها الاحتلال الإسرائيلي اتهامات مماثلة بـ”شبكات مالية لحماس في الخارج”، دون تقديم أي إثبات قابل للتحكّم القضائي الدولي.

في 2023، ادّعت تل أبيب “ضبط شبكة مالية في السودان”، ثم تبيّن لاحقًا أنها كانت مجرد تحويلات عائلية عادية.

وفي 2022، زعمت “اختراق حسابات إلكترونية في لبنان” لتمويل المقاومة، لكن لا تقرير دولي، لا من الأمم المتحدة ولا من لجنة العقوبات الأممية، أكّد تلك المزاعم.

المحلّل السياسي محمد القيق، علّق على هذه الادعاءات قائلا لـ “وكالة أنباء تركيا”، تختلق إسرائيل اليوم سلسلةً متزايدة من الحجج والتبريرات، ليس بالضرورة لاستخدامها فورًا كذريعة لمعاقبة تركيا أو غيرها، بل لبناء منظومة إعلامية متكاملة، فقصص (أموال حماس وشبكات التهريب)، تأتي أولاً في السياق المالي، ثم تُوسَّع لاحقًا لتشمل ملفات سياسية، وأخرى عسكرية، وكأن هذه الادعاءات، وإن كانت غير مثبتة، تُنسَج معًا لرسم صورة مُوحّدة ومتكررة: صورة “التهديد القادم من خارج الحدود”.

ولفت إلى أن “الهدف من ذلك ليس فقط تشويه صورة تركيا أمام الرأي العام الدولي، بل خصوصًا أمام الولايات المتحدة، في محاولة لـشيطنتها وعزلها دبلوماسيًّا، أو على الأقل، كبح دورها الفاعل، فأنقرة اليوم تُعتبر لاعبًا محوريًّا: في غزة (كطرف وساطة، بل ومرشّح لقوات الاستقرار الدولية)، وفي سوريا (كقوة مؤثرة في ملفات الاستقرار والنزوح والتنمية)، ولذلك، تسعى إسرائيل، عبر حملات مثل هذه، إلى بثّ الرعب في القيادة التركية (هل تستحقين تحمل الثمن؟ هل ستُترَكين وحدكِ لو أصررتِ على المضي قدمًا؟)”.

وتابع أن “هذا النوع من الترهيب لا يقتصر على ملف الصرافة أو التمويل فقط، بل هو جزء من موجة أوسع نتوقع أن تتصاعد في المرحلة المقبلة بأشكال أكثر وضوحًا وشراسة”.

واعتبر أن “ما نراه اليوم هو جزء من استراتيجية إسرائيلية منهجية لـشيطنة تركيا ولجم تمددها الإقليمي، بعد أن أدركت تل أبيب أن هذا التمدد لم يعد قابلاً للاحتواء في ظل التحوّلات الجيوسياسية المتسارعة في منطقة الشرق الأوسط، خصوصًا في قلبها: سوريا والعراق وفلسطين، والسؤال ليس هل ستستمر تركيا؟، بل كيف ستواجه هذه الحملات المُخطَّط لها بعناية؟”.

لماذا الآن؟ سياق تصعيدي واضح

يأتي هذا “الكشف” في وقتٍ تشهد فيه المنطقة تصعيدًا سياسيًّا غير مسبوق:

  • تركيا تُعيد ترتيب أولوياتها في السياسة الخارجية، وتُعلن دعمها لـ”حلّ الدولتين” عبر قنوات دبلوماسية جديدة، وتوسّع علاقاتها مع إيران وقطر، وتُعبّر عن “قلق بالغ” من استمرار الحصار على غزة.

الهدف: إبقاء العقوبات قائمة وعزل غزة اقتصاديًّا

التحليل الأكثر إلحاحًا لهذه الحملة الإعلامية- الاستخباراتية، وفق مراقبين، يتّجه نحو الجانب الاقتصادي: فمنذ عام 2023، يضغط الاحتلال الإسرائيلي عبر حلفائه، على المؤسسات المالية الدولية لتشديد الرقابة على أي تحويلات مالية “قد تصل إلى غزة”، حتى لو كانت إنسانية.

وتُظهر وثائق سابقة من وزارة الخزانة الأمريكية أن الاحتلال الإسرائيلي قدّم، العام الماضي، أكثر من 17 تقريرًا استخباريًّا “مشابهًا” حول “شبكات تمويل سرية”، جميعها تضمّنت أسماء، وأرقامًا، و”وثائق”، لكن لم يُعتمد أيٌّ منها في قرارات عقوبات فعلية من مجلس الأمن أو الاتحاد الأوروبي.

الكاتب والباحث السياسي، الدكتور ماجد عزام، قال لـ “وكالة أنباء تركيا”، إنه “حتى الآن، هذه مجرد ادعاءات فقط، إذ لا يوجد أي دليل مُؤكَّد يدعم المزاعم الإسرائيلية، ففي تركيا، كما في سائر دول العالم، توجد عشرات شركات الصرافة التي تعمل ضمن إطار مهني مُرخّص، ولا يمكن تلقائيًّا ربط نشاطها المالي بدعم جهات سياسية أو عسكرية دون أدلة ملموسة”.

وأضاف “المزاعم الإسرائيلية تتحدث عن شبكة متخصصة تُدار من تركيا لتحويل أموال من إيران إلى حماس، لكن حتى الآن، لم تقدّم إسرائيل ولا حتى حماس نفسها، أي وثائق أو أدلة تُثبت هذا الادّعاء، بل على العكس، فإن هذا النوع من التصريحات يُدرج، في رأينا، ضمن محاولات ممنهجة لحرف الانتباه عن جوهر الصراع: ألا وهو الاحتلال، ومقاومة الشعب الفلسطيني له، سواء في إطارها الشعبي أو المؤسسي، فإسرائيل لا تحاول تبرير احتلالها عبر الاعتراف بحق الفلسطينيين في التحرر والمقاومة، بل تسعى دائمًا إلى تصوير الصراع على أنه ناتج عن تدخلات خارجية، مثل إيران أو غيرها، ومن الأهداف الأساسية وراء هذه الرواية: محاولة التأثير على الموقف التركي، خصوصًا أن أنقرة تلعب دورًا محوريًّا كمفاوض في اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، وتُعبّر بوضوح عن دعمها لحقوق الفلسطينيين”.

وزاد بالقول “إضافةً إلى ذلك، تسعى هذه الادعاءات إلى التشويش على الجهود التركية الرامية إلى تحقيق السلام، أو تنفيذ الاتفاقات القائمة، فهي تُطلق في وقتٍ تزداد فيه فعالية الوساطة التركية، وتتعاظم ثقة الأطراف الفلسطينية بل وحتى الدولية بها، كما لا يمكن تجاهل البُعد الاستراتيجي: فتركيا مُرشّحة للمشاركة في قوات الاستقرار الدولية المنتظرة في غزة، وبموافقة ضمنية، بل ودعم صريح، من الولايات المتحدة”.

ولفت إلى أن “مثل هذه الأنباء تُستخدم كأداة لاستهداف الحماسة الأمريكية تجاه التواجد التركي، وربما زعزعة الثقة في الدور التركي، سواء في تنفيذ اتفاق السلام، أو في المشاركة في أي آلية أمنية دولية لاحقة”.

ادعاءات في سلة المهملات حتى إثبات العكس

ويرى مراقبون، أنه حتى الآن، لا يوجد ما يُثبِت صحة هذه الادعاءات سوى بيانٍ للاحتلال الإسرائيلي من طرف واحد، يفتقر إلى أدنى معايير الدليل الاستخباراتي أو القضائي.

والأكثر إثارة للريبة أن البيان صدر باللغة العربية فقط، عبر الناطق بلسان جيش الاحتلال الإسرائيلي، دون نسخة رسمية بالإنجليزية أو العبرية، وهو ما يُوحي بطابعه الاستهلاكي الداخلي والاستهدافي تجاه الجمهور العربي، وفق تعبير المحللين.

وفي ظلّ غياب أي تحرك دولي أو تركي، وماضي للاحتلال الإسرائيلي في إطلاق اتهامات مماثلة باءت كلها بالفشل، فإن الحديث عن “شبكة صرافة سرية في قلب تركيا” يبقى مجرد مزاعم لا أساس لها، وفي أسوئها، جزءًا من حملة ممنهجة لتجريم كل دعم مالي لفلسطين، حتى لو كان لشراء حليب أطفال أو دواء لأصحاب الأمراض المزمنة.

زر الذهاب إلى الأعلى