
في قراءةٍ متقاطعة للتحوّلات المتسارعة شمالي سوريا وشرقيها، يرى محللون أن ما بدأه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبل نحو عشر سنوات في مواجهة مشروع PKK/PYD الإرهابي في سوريا، يُستكمل اليوم على يد الرئيس السوري أحمد الشرع، في مسارٍ انتهى عمليًا بإسقاط أحد أخطر المشاريع الانفصالية التي شكّلت تهديدًا مباشرًا للأمن السوري والتركي معًا، وأعادت رسم خرائط النفوذ والتوازنات في المنطقة.
عقد من المواجهة.. من أنقرة إلى دمشق
منذ عام 2015، دخلت تركيا بشكل مباشر على خط المواجهة مع امتدادات PKK الإرهابي في سوريا، بعد أن تحوّلت وحدات حماية الشعب، ثم “قوات سوريا الديمقراطية – قسد”، إلى ذراع ميدانية للمشروع الذي تقوده قيادات مرتبطة بـPKK، مستفيدة من الدعم الأمريكي والدولي تحت لافتة “مكافحة الإرهاب”.
ويرى محللون أن التدخل العسكري التركي، عبر عمليات متتالية شمال سوريا، شكّل الضربة الأولى لهذا المشروع، إذ نجحت أنقرة في قطع الطريق أمام تمدده غربي الفرات، ومنعت تشكّل كيان جغرافي متصل يربط شرقي سوريا بغربها، ما أدى إلى تفتيت أوصاله وإضعاف قدرته على فرض أمر واقع طويل الأمد.
سقوط نظام الأسد.. الضربة الثانية
التحوّل المفصلي الثاني، وفق قراءات سياسية، تمثّل في سقوط نظام الأسد المخلوع الذي اتُّهم لسنوات بالتواطؤ مع مشروع “قسد PKK/PYD”، سواء عبر التنسيق غير المعلن أو عبر غضّ الطرف عن تمدده مقابل استخدامه كورقة ضغط إقليمية ودولية.
هذا السقوط أسقط معه شبكة تفاهمات هشّة كانت تمنح المشروع الانفصالي غطاءً سياسيًا وأمنيًا داخل الجغرافيا السورية.
ويؤكد محللون أن انهيار تلك المعادلة أفقد “قسد PKK/PYD” عمقها السياسي الداخلي، وحوّلها من لاعب مدعوم ضمن توازنات معقّدة، إلى كيان معزول يفتقر إلى الشرعية الوطنية، ويواجه رفضًا متزايدًا من الدولة السورية الجديدة ومن محيطه الاجتماعي.
الشرع والضربة الثالثة
اليوم، ومع تمكّن الشرع من تثبيت أركان الدولة السورية الجديدة، جاءت الضربة الثالثة والحاسمة، عبر مسار واضح يستهدف تفكيك أي كيان مسلح خارج إطار الدولة، وفرض سيادة دمشق على كامل الأراضي السورية دون استثناء.
ويرى محللون أن ما يقوم به الشرع ليس مجرد استجابة لضغوط إقليمية أو استكمال لسياسات دول الجوار، بل هو تعبير عن مشروع وطني سيادي يرفض أي شكل من أشكال التقسيم أو الازدواجية العسكرية.
وفي هذا السياق، لم يعد لمشروع PKK/PYD أي أفق سياسي أو عسكري قابل للحياة داخل سوريا.
التخلي الأمريكي.. نتيجة لا سبب
في هذا المشهد المتكامل، يؤكد محللون أن تخلي الولايات المتحدة عن “قسد PKK/PYD” لم يكن سببًا في انهيار المشروع، بل نتيجة طبيعية لتحوّلات كبرى سبقت ذلك.
فمع تراجع القدرة على الصمود ميدانيًا، وسقوط الغطاء السياسي الداخلي، وتلاقي المصالح السورية–التركية على إنهاء هذا الملف، وجدت واشنطن نفسها أمام واقع جديد فرض إعادة تموضع، بعيدًا عن كيان لم يعد قادرًا على أداء الدور الذي أُنشئ من أجله.
لا مستقبل للمشروع الانفصالي
ويجمع محللون على أنه “لا مستقبل لتنظيم PKK الإرهابي في سوريا، ولا لمشروع قسد PKK/PYDالانفصالي”، معتبرين أن على مقاتلي وقيادات PKK الإرهابي مغادرة الأراضي السورية، وترك السوريين الأكراد يشاركون في بناء مستقبلهم ضمن الدولة السورية الواحدة، بعيدًا عن مشاريع عابرة للحدود لا تعبّر عن مصالحهم الحقيقية.
إسقاط المشروع.. مكسب استراتيجي لتركيا وسوريا
من زاوية أخرى، يشير محللون إلى أن نجاح سوريا في إسقاط هذا المشروع عالج صدعًا أمنيًا عميقًا لدى تركيا، وأزال أحد أكبر هواجسها الاستراتيجية على حدودها الجنوبية.
ويؤكد هؤلاء أن ما بدأته أنقرة قبل عقد من الزمن، استكملته دمشق اليوم، ما فتح الباب أمام مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، قائمة على المصالح المشتركة واحترام السيادة ووحدة الأراضي.
قراءة في الخلفيات الدولية
وفي هذا السياق، قال المختص بشؤون الشرق الأوسط محمد جلال العلي، في حديث لـ “وكالة أنباء تركيا، إن “مشروع التحالف الدولي ضد الإرهاب أسّس قوات سوريا الديمقراطية عام 2015 بتنوّعها الإثني الظاهر، لكنها في حقيقة الأمر كانت تُدار من قبل قيادات PKK، في مرحلة اتسمت بتنافر السياسات الأمريكية والتركية”.
وأضاف أن “التقاء المصالح التركية مع مجموعات أحمد الشرع آنذاك جاء في مواجهة تهديد حقيقي تمثّل بمشروع قد يقود إلى تقسيم جغرافي ويشكّل خطرًا على الأمن الوطني، خاصة مع ما تلقاه من دعم أمريكي ودولي وإسرائيلي”.
بين الأمن الحدودي والسيادة الوطنية
من جهته، شدد المختص في القانون الدولي فراس حاج يحيى، في حديث لـ “وكالة أنباء تركيا”، على ضرورة التمييز بين المقاربتين التركية والسورية.
فتركيا، بحسب قوله، تعاملت مع تهديد أمني على حدودها، بينما تعبّر خطوات الدولة السورية الجديدة عن استعادة سيادتها الكاملة على أراضيها، وإنهاء أي قوة مسلحة خارج إطار الجيش الوطني الموحد.
وأضاف أن ما يقوم به الرئيس أحمد الشرع اليوم هو “واجب دستوري داخلي”، يتمثل في فرض سلطة الدولة، واستعادة الأمن والنظام، وهو ما يختلف جوهريًا في المنطلق والهدف عن السياسات الأمنية العابرة للحدود، بحسب كلامه.
في المحصلة، يبدو أن مشروع PKK/PYD الإرهابي في سوريا وصل إلى نهايته السياسية والعسكرية، نتيجة تراكُم ثلاث ضربات كبرى: التدخل التركي، سقوط النظام السابق المخلوع، وصعود دولة سورية جديدة حازمة في ملف السيادة.
وبينما تُطوى صفحة من أخطر مشاريع التفتيت، تبرز في المقابل ملامح مرحلة جديدة قد تعيد رسم العلاقات السورية التركية على أسس أكثر استقرارًا وتوازنًا.







