
أكدت خطبة الجمعة في عموم مساجد تركيا، اليوم، على أن مفهوم التوكل على الله يشكّل أحد المبادئ الأساسية في الإسلام، بوصفه منهجاً يجمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله في مختلف شؤون الحياة.
وأشارت الخطبة إلى أن التوكّل لا يعني التواكل أو ترك العمل، بل يقتضي أداء المسؤوليات على أكمل وجه، والسعي المشروع لتحقيق الأهداف، مع الإيمان بأن النتائج بيد الله تعالى.
وأضافت أن التوكّل يتجلى في سلوكيات يومية متعددة، تبدأ من الأسرة والتربية، مروراً بالعمل والإنتاج، وصولاً إلى مختلف مجالات الحياة، بما يعكس توازناً بين الجهد الإنساني والثقة بالله.
وأكدت الخطبة أن الإسلام يرفض المفاهيم الخاطئة التي تربط التوكّل بالكسل أو إهمال الواجبات، داعية إلى ترسيخ ثقافة العمل والاجتهاد، ومواكبة متطلبات العصر، مع التمسك بالقيم الإيمانية الراسخة.
نص الخطبة:
إن من المبادئ التي يأمرنا ديننا الإسلامي الحنيف بأن نعكسها في جميع مجالات حياتنا مبدأ التوكّل.
فالتوكّل هو أن يؤدي المسلم مسؤولياته على أكمل وجه، ثم يلجأ إلى رحمة الله وعطفه، وهو أن يأخذ بالأسباب اللازمة، ثم ينتظر قضاء الله وقدره.
وأن يسعى إلى تحقيق مطالبه المشروعة من خلال التمسك بالأسباب، واستخدام عقله وإرادته في الاتجاه الصحيح، مع الثقة بالله والاعتماد عليه.
يتجلّى التوكّل في سلوك الوالدين، حين يكونان قدوة حسنة لأبنائهما، امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم “ما نحل والد ولده أفضل من أدب حسن”، ثم ينتظران منهم التحلي بالأخلاق والفضائل.
كما يتمثل التوكّل في الشاب الذي يشكّل مستقبله في إطار العلم والفن والمهنة، التزاماً بمبدأ “إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه”، ثم يسأل الله التوفيق.
وأحياناً يكون التوكّل في صورة تاجرٍ يُتمّ الكيل والميزان على أكمل وجه، ثم يسأل الله رزقاً طيباً مباركاً.
وأحياناً أخرى يتجلّى في مزارعٍ يحرث أرضه كما ينبغي، ثم يفوّض بركة الحصاد إلى الله، مسترشداً بقول النبي الكريم “حسبنا الله ونعم الوكيل، على الله توكّلنا”.
إن التوكّل ليس ملاذاً للكسل، ولا ذريعة للتقاعس، بل هو وسيلة للصحوة واستعادة الوعي. وهو الدعاء العملي المقرون برجاء عون الله، عبر إنتاج المعرفة والتكنولوجيا بما يتوافق مع متطلبات العصر.
وهو السعي الدؤوب لامتلاك القوة التي تردع الأعداء، إدراكاً بأن الانتصارات لا تتحقق بلا جهد، مع التضرع إلى الله بالنصر والتأييد.
إن ترك الأخذ بالأسباب بحجة “ما شاء الله كان”، أو إهمال المسؤوليات بدعوى “ما كُتب سيقع”، أو ترك العمل اعتماداً على أن “الله سيرزقني”، لا مكان له في مفهوم التوكّل في الإسلام.
فالواجب على المسلم أن يعمل ليل نهار، مستحضراً معنى “الأخذ بالأسباب من العبد، والتقدير من الله”، وقد بيّن الله تعالى ذلك بوضوح بقوله “لِلْإِنْسَانِ مَا سَعَىٰ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَىٰ”.




