
تتجه الأنظار إلى الموقف التركي من التطورات المتسارعة في لبنان، في ظل تصاعد التوترات وانتهاكات الاحتلال الإسرائيلي التي تطال الأراضي اللبنانية، وسط مؤشرات على تبني أنقرة مقاربة إيجابية تقوم على دعم الاستقرار وتعزيز التضامن الإقليمي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلاقات الدولية والسياسات الخارجية الدكتور خالد العزي، أن الموقف التركي يعكس قلقًا متزايدًا من تداعيات التصعيد في المنطقة، مشيرًا إلى أن “تركيا، كدولة إقليمية وإسلامية، تشعر بقلق كبير من الحرب العبثية التي تمارسها إسرائيل ضد لبنان وسوريا والمنطقة بشكل عام”.
وأضاف العزي في حديثه لـ”وكالة أنباء تركيا”، أن “الإيجابية التركية تجاه لبنان في ظل الظروف الحالية تُعد علامة على التضامن الإقليمي والدعم السياسي، حيث تؤكد أنقرة من خلال تصريحاتها ومواقفها دعمها للبنان في مواجهة الهجمات والانتهاكات الإسرائيلية”، لافتًا إلى أن هذا التوجه يعكس رغبة تركية واضحة في تعزيز أمن لبنان واستقراره.
دعم متعدد المستويات
وبحسب العزي، فإن الدعم التركي لا يقتصر على التصريحات السياسية، بل يمتد إلى مستويات متعددة تشمل الجوانب الإنسانية والاقتصادية والأمنية، موضحًا أن “هذا الدعم يتجلى في المواقف السياسية والإنسانية، بالإضافة إلى المساعدات الاقتصادية والأمنية المحتملة، وهو ما يعزز العلاقات الثنائية بين البلدين في مواجهة التحديات المشتركة”.
ولفت إلى أن الدور التركي يتعزز أيضًا من خلال تحركات دبلوماسية أوسع، حيث “رغم قيام تركيا بوساطة ثلاثية بين إيران وأمريكا، إلا أن استقرار لبنان يبقى أولوية بالنسبة لها”، مؤكدًا أهمية الدور الذي يلعبه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في هذا الإطار.
وتابع أن “جزءًا من هذا الدور يتمثل في محاولة إنهاء الأزمة التي تمارسها إسرائيل ضد لبنان، عبر دعم لبنان ماديًا ولوجستيًا، من خلال توفير المساعدات الطبية والمادية، بالإضافة إلى تجهيز أماكن لاستيعاب النازحين”، في إشارة إلى استعداد أنقرة للتعامل مع تداعيات أي تصعيد محتمل.
تحركات دبلوماسية ومساعٍ للتهدئة
على الصعيد الدبلوماسي، أوضح العزي أن تركيا تسعى إلى لعب دور الوسيط، مشيرًا إلى أنها “تدعم توجه لبنان نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل تحت حماية دولية وإقليمية، وتشكل مظلة هامة لهذه الخطوات ما يعزز فرص الوصول إلى تسوية تضمن الأمن والاستقرار”، وفق تعبيره.
من جانبها، ترى الصحفية المتخصصة في العلاقات الدولية والدراسات الاستشراقية أورنيلا سكر أن “المقاربة التركية تنطلق من فهم عميق لتعقيدات المشهد اللبناني”، مؤكدة أن “تركيا تُظهر في المرحلة الراهنة مقاربة إيجابية تجاه لبنان، تنطلق من إدراكها لحساسية الوضع اللبناني وتعقيداته، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني”.
وتلفت في حديثها لـ “وكالة أنباء تركيا”، إلى أن هذا الموقف يكتسب أهمية خاصة في ظل “الانتهاكات المتكررة التي تقوم بها إسرائيل، حيث تبرز أنقرة كطرف يدعو إلى التهدئة واحترام السيادة، مع تأكيدها على ضرورة الالتزام بالقانون الدولي ومنع الانزلاق إلى مواجهة أوسع”.
دعم الاستقرار الداخلي وتعزيز التعاون
وأشارت سكر إلى أن “الدور التركي لا يقتصر على الجانب السياسي، بل يمتد إلى دعم الاستقرار الداخلي في لبنان”، موضحة أن “هذه المقاربة تمتد إلى تعزيز قنوات التعاون وتقديم المساعدات الإنسانية، بما يعكس رغبة تركية في لعب دور متوازن يساهم في تخفيف حدة الأزمات بدل تأجيجها”.
واعتبرت أن “هذا التوجه يندرج ضمن سياسة أوسع تعتمدها أنقرة لإعادة تموضعها في المنطقة، حيث يمكن قراءة الموقف التركي كجزء من سياسة تسعى إلى الانخراط الإيجابي والوساطة، بما ينسجم مع مصالحها الاستراتيجية ويعزز حضورها كفاعل مؤثر في شرق المتوسط”.
توازن بين المصالح والدور الإقليمي
ويعكس الموقف التركي، وفق مراقبين، محاولة لتحقيق توازن دقيق بين مصالحها الاستراتيجية في المنطقة ودورها كقوة إقليمية تسعى إلى لعب دور الوسيط، خاصة في ظل تشابك الملفات الإقليمية وتداخل الأزمات بين لبنان وسوريا وغزة.
كما يأتي هذا التحرك في وقت تسعى فيه أنقرة إلى تعزيز حضورها الدبلوماسي في شرق المتوسط، مستفيدة من علاقاتها المتشعبة مع مختلف الأطراف، وهو ما يمنحها هامشًا أوسع للمناورة السياسية.
آفاق الدور التركي
في المحصلة، تبدو المقاربة التركية تجاه لبنان قائمة على مزيج من الدعم السياسي والإنساني، إلى جانب تحركات دبلوماسية تهدف إلى احتواء التصعيد ومنع تفاقم الأوضاع.
وبينما تتواصل التوترات في المنطقة، يبقى الدور التركي مرهونًا بمدى قدرته على تحويل هذا الدعم إلى نتائج ملموسة تسهم في تحقيق الاستقرار، في ظل تحديات إقليمية معقدة ومتسارعة.







