
أكدت خطبة الجمعة في عموم مساجد تركيا، اليوم، أن ما يتعرض له سكان قطاع غزة يمثل اختباراً لضمير الإنسانية وقيمها الأخلاقية، داعيةً إلى نصرة المظلومين، وتكثيف الجهود لوقف المجازر وحماية المدنيين وإيصال المساعدات الإنسانية.
وشددت الخطبة على أن التضامن مع الفلسطينيين لا يقتصر على التعاطف، بل يتطلب مواقف عملية واعية ومسؤولة، مؤكدةً أن الظلم لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، وأن نصرة المظلومين مسؤولية جماعية.
الخطبة:
أيها المسلمون الكرام
لقد مرّت ثلاثة أعوام على الإبادة التي بدأها الظالمون بحق إخواننا في غزة. وحتى اليوم، لا تزال القنابل تتساقط على المدينة التي تحولت إلى أنقاض، مستهدفةً المساجد والمنازل والمدارس والمستشفيات.
وتُنتزع بيوت إخواننا من أيديهم، وتُنهب كرومهم وحدائقهم، وتُحرق أماكن عملهم وتُدمّر.
كما تُنتهك مقدسات المسلمين، ويُقتل الأطفال وكبار السن والنساء وذوو الإعاقة، بل يُقتل مجتمع بأكمله بوحشية أمام أعين العالم.
أيها المؤمنون الأعزاء
إن الآلام التي يعيشها قطاع غزة لا تقتصر على الكارثة التي يتعرض لها إخواننا الفلسطينيون، بل تمثل اختباراً تاريخياً لضمير كل إنسان، ولأخلاقه ووجدانه وشرفه.
وفي الوقت نفسه، فإن الصرخات التي ترتفع من غزة تمسّ قلوب كل إنسان يؤمن بالعدالة والإنصاف والرحمة، وتوقظ ضمائر البشر في مختلف أنحاء العالم.
إن ارتفاع الأصوات وتزايد ردود الفعل المطالبة بإنهاء المجازر، وحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، يدل على أن الضمائر لم تمت، وأن الإنسانية لم تفقد روحها.
أيها المسلمون الكرام
لقد وقع الظالمون، عبر التاريخ، في الخطأ نفسه، إذ ظنوا أنهم لا يُهزمون. لكن من أعلنوا انتصار الحق قبل أوانه، أدركوا دائماً أن الظلم لا بد أن ينتهي، وأن الباطل لا يمكن أن ينتصر إلى الأبد.
وكما يقول طفل من غزة “إذا هدمتم منزلنا، سنبني غيره، وإذا هدمتم مدرستنا، سنبني مدرسة جديدة. نحن لا نرحل إلى أي مكان”.
نعم، لقد شهدت الإنسانية على الدوام أن الظلم، مهما بلغت قوته، لا بد أن يجد نهايته يوماً ما، ومهما بلغت قوة الظالمين، فإن حكم ربنا واضح وحاسم “وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين”.
أيها المسلمون الأعزاء
إن غزة اسم لمقاومة تاريخية ترفع راية كرامة الإنسانية عالياً. وبينما يُمتحن إخواننا هناك بآلام فقدان أبنائهم، والخوف على أرواحهم، وتدمير منازلهم، فإننا نحن أيضاً نخضع للاختبار من خلال مواقفنا وتضامننا معهم.
فإذا كان امتحان إخواننا في غزة هو الصبر، فإن امتحاننا نحن يتمثل في عدم نسيانهم. وإذا كان امتحانهم هو المقاومة والصمود، فإن امتحاننا هو إظهار التضامن معهم.
وإذا كان امتحانهم هو مواجهة الفقر والحرمان، فإن امتحاننا هو مشاركة ما نملك من إمكانات معهم.
وإلى جانب ذلك، ينبغي ألا نقلل من أهمية القوة الاستهلاكية التي نملكها، وأن ننظر إلى المقاطعة لا باعتبارها ردة فعل مؤقتة، بل موقفاً واعياً وأخلاقياً في مواجهة الظلم.
إن تحذير ربنا واضح في هذا الشأن، إذ يقول “وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً”.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم “يَدُ المسلمين على مَن سِواهم، تَتَكافَأُ دِماؤهم وأموالُهم، ويُجِيرُ على المسلمين أدْناهم، ويَرُدُّ على المسلمين أَقْصَاهم”، في إشارة إلى وجوب نصرة المسلمين بعضهم لبعض في إشارة إلى وجوب نصرة المسلمين بعضهم لبعض.
إخوتي وأخواتي في الإسلام
إن الظالمين لن يتمكنوا من تحقيق أهدافهم. فحين يتكاتف المسلمون، ويهبّ بعضهم لمساعدة بعض، فإن الظالمين الذين ينتهكون حرمة المسجد الأقصى والمسجد الحرام سيواجهون الهزيمة، وسيكون مصيرهم الخذلان.
وبمشيئة الله، ستتحقق النجاة لجميع المظلومين في العالم، وفي مقدمتهم إخواننا في غزة وتركستان الشرقية.
ونختم خطبتنا بحديث نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إذ يقول: “المسلمون كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى”.





